ووظيفة العقل تقع في أول خطوات الامتثال, وهي إدراك معاني البيان والحقائق التي جاءت بها النصوص, يعني فقهها وفهمها, ثم ادخارها علما في القلوب, ثم تحويلها إلى عمل وسلوك, ليصل الإنسان إلى أحسن أوضاعه, وخير مآلاته على الإطلاق.
ويدخل في وظيفة العقل الأولى (التي هي فهم النص) إدراك المطالب الربانية, بملاحظة ما تقوم به النفس من عمليات النظر والتفكير والاستدلال, وليست أساليب الاجتهاد والاستنباط التي ذكرها العلماء المسلمون, واستعملوها في استثمار النصوص إلا وغريزة العقل حاضرة في كل مرحلة من مراحل هذا الاستثمار.
فعملية تحصيل العلوم من النصوص الشرعية تبدأ بالنظر, وهو حركة النفس لتتخذ الوضع المناسب الذي يمكنها من إبصار المعاني التي يشتمل عليها النص, والعقل هو الذي يشير على النفس بذلك الوضع في نقطة البدء, والمواد المطلوبة التي ينبغي استدعاؤها بمعونة غريزة التذكر من العلوم المخزونة في النفس, ومن خارجها. وتنظر النفس في المجموعة من العلوم المحضرة, وتحدث عملية التفكر بعد التذكر؛ فتبصر النفس بمعونة غريزة العقل _بإذن الله تعالى_ المقدمات العلمية والآثار المترتبة عليها, فيولد العلم بما يريده صاحب النص منه. وما يريد أن يوصله إلى النفس الإنسانية. وتدرك هذه النفس بغريزة العقل أن ما حصلت عليه من علم كان مخزونا في النص هو المطلوب علمه, ليكون بعد ذلك العمل به؛ وهكذا ترى أن النفس السوية تستخدم العقل في جميع العمليات النفسية اللازمة لتحصيل العلوم.
وبناء على ما تقدم يمكن أن يوصف العقل باعتبار هذه العلاقة الوظيفية بالنص بأنه مترجمُ النص للنفس، وأهم حلقة لوصل النفس مع النص, وإدخال معانيه وحقائقه إلى وعائها في صورة علم يثمر العمل المطلوب وفق خطة نفسية يدرك العقل مدى صلاحيتها لتنفيذ العمل؛ وهكذا فإن له دخلا في استقبال العلوم, وفي إرسالها في صورة خطط سلوكية عملية للوصول إلى الوضع الذي يريده صاحب النص وهو الشارع الحكيم, قال الحارث المحاسبي في كتابه (فهم القرآن ومعانيه) يصف وظيفة النص ( ... واختار سبحانه إرسال الأنبياء من عباده, فأرسلهم بكلامه, ووصف لهم صفاتِه الكاملة, وأسماءَه الحسنى, وما يرضى به من المقال والفعال, وما يُسخطه من الأعمال, وما أعد لمن أطاعه من الثواب الجزيل والعيش السليم والنعيم المقيم, وما أعد لأعدائه من أليم العذاب وشديد العقاب ... الخ) .