وفي كتابه الموسوم بـ (مائية العقل ومعناه واختلاف الناس فيه) بين أن العقل غريزة في الإنسان يعرف بها ما ينفعه وما يضره. وأنها غريزة جعلها الله عزّ وجلّ في الممتحنين من عباده أقام به على البالغين للحلُم الحجة, وأن من أهم وظائفه الفهم لإصابة المعنى, وأهمها على الإطلاق جعل النفس قادرة على العقل (يقصد مصدر عقل) عن الله تعالى؛ يعني فهم مراده ومطلوبه فيها.
ووظيفة العقل في فهم النص ليست مطلقة, بل مقيدة بقيود بعضها عقلي وبعضها شرعي, ولتحقِّق مصداقية فهم العقل أن لا يخرج عن قواعد اللغة العربية, فإن هذا القيد حقيقة يدركها العقل نفسه أو على الأصح تدركها النفس بغريزة العقل فيها؛ لأن من البدهي أن المعنى إذا ضمّن في خطاب بلغة معينة, وكان صاحب الخطاب عليما بلغته التي جعله بها, فإن مراده لا يمكن فهمه على وجهه الصحيح إذا لم تؤخذ لغة الخطاب بالاعتبار.
والقرآن نزل بلغة العرب, وبيانه جاء به النبي العربي عليه الصلاة والسلام بلغة العرب أيضا, فلا يفهم إلا على لسان معهود العرب في ألفاظها الخاصة وفي أساليب بيانها للمعاني.
ومن القيود اللغوية أيضا التمسك بنظم الكلام وسياقه. ومنها البعد عن المعاني الشاذة والمنبوذة في لغة العرب أو في مصطلحات الشرع.
ومن القيود التزام العقل عند فهم النص بما يعرف بمقاصد الشرع القطعية في المسألة ذات العلاقة بموضوع النص, والالتزام في الفهم بمعنى النظائر في النصوص وعدم الانتقائية وتعدد موازين الفهم ومعاييره.
ومنها الأخذ بأحسن الوجوه عند تعدد الاحتمالات, والأولى بمعالي الأمور ومكارم الأخلاق, والأوضح لدى القلوب, والأوفق بمحكمات القرآن, والأحسن ظنا بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم. ومنها الاعتبار بفهم علماء الصحابة رضوان الله عليهم. ومنها الاستنارة بالمناسبات التي نزل فيها النص القرآني أو صدرت فيها سنة قولية أو فعلية؛ فهذه أمور, وكثير غيرها, اهتدى إليها أهل الذكر في العصور المختلفة, ولا يجعلها ظهريا إلا صاحب قلب استوطنه الأهواء والشبهات والظنون والخيالات, وإنما تدرك غريزة العقل بحسب ما يطلعها القلب عليه من مخزونه من المدركات؛ فإن القلوب _كما قال علي بن أبي طالب_ أوعية, وخيرها أوعاها للخير, وقال بعض السلف: (إن