فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 48

والحق أن كل من شهد الشهادتين لزمه الاعتقاد بأن ما ثبت أنه كلام الله تعالى أو كلام رسوله صلى الله عليه وسلم لا يجوز أن يتناقض معه عقل سليم؛ لأن النص وحي من الله عز وجل, والعقل مخلوق من مخلوقاته؛ فكلاهما راجع إليه؛ والتناقض نقص, والله عز وجل منزه عن كل نقص.

ومن جهة أخرى فإن النصوص الشرعية هي أدلة الشارع نصبها لتتلقاها عقول المكلفين من مخلوقاته لتلتزم مضامينها؛ ولو أمكن التناقض بينها لم يصح التكليف, فضلا عن أن التكليف بمقتضى نصوص مناقضة للعقل هو تكليف بما لا يطاق؛ لأنه يكون تكليفا بما لا يصدقه العقل ولا يتصوره, وهو تكليف بما لا يطاق.

كذلك تقدم أن العقل شرط في المخاطَب بالنص الشرعي تكليفًا بالفهم أو بالعمل أو بالترك؛ فلو افتُرض إمكان التناقض بين النص والعقل لكانت النصوص غير صالحة للتكليف بمقتضاها؛ لعدم تمكن العقل من التصديق بها؛ لأن تمكنه من ذلك مبني على كون النصوص صالحة لأن يُصدّق العقل بها؛ بأن لا تكون منافية لقضاياه, وإن زعم بعض الناس أن عقله لا يصدق بما تأتي به بعض النصوص؛ لأن المعتبر هو تمكن العقل من التصديق؛ بأن تكون النصوص في ذاتها صالحة لأن يصدق بها العقل المجرد من الدوافع غير العقلية, ولا عبرة لإنكار بعض العقول الشخصية لمضمون النص جهلًا أو عنادًا واستكبارًا وانقيادًا للهوى.

ولا يرد على ما ذكرنا ورود بعض المتشابه في النصوص وما لا يفهمه العقل أحيانا؛ إذ عدم فهم النص لا يدل على تناقض بينه وبين العقل؛ وما يُشعرنا أن العقل لو فهمه لصدقه؟ على أن الاستقراء للشريعة ونصوصها دل على جريانها على مقتضى العقل؛ فلا تصادمه بقلب الحقائق وجعل المُحال العقلي جائزا أو واجبا.

ومما يؤكد هذه الحقيقة أن كثيرا من الناس الذين تحرروا من دوافع الهوى كانوا وما زالوا يدخلون في الإسلام ويفارقون ما كانوا عليه من الكفر لما تدركُ عقولهم من جريان الشريعة على مقتضى أحكام العقل؛ حتى قال بعض الأعراب وقد سئل: بماذا عرفتَ أن محمدا رسول الله؟ فقال: ما أمر بشيء, فقال العقل ليته نهى عنه, ولا نهى عن شيء فقال العقل ليته أقر به.

هذا ولا يرد على حقيقة ائتلاف العقل مع النص, وعدم مناقضته له شبهة يثيرها بعض أولياء الشيطان؛ مؤداها القول بالاستغناء عن الرسالات بالعقل؛ وأنقل هنا كلاما لابن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت