فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 48

قيم الجوزية في دفع هذه الشبهة, وأعتذر عن طوله بفائدته البالغة في هذا المقام؛ فقد قال رحمه الله تعالى: (غاية العقل أن يدرك بالإجمال حسن ما أتى الشرع بتفصيله, أو قبحه, فيدركه العقل جملة, ويأتي الشرع بتفصيله؛ فالعقل _مثلا_ يدرك حسن العدل, وأما كون هذا الفعل المعيّن عدلًا أو ظلما فهذا مما يعجز العقل عن إدراكه في كل فعل وعقد. كذلك يعجز عن إدراك حسن كل فعل وقبحه, والشرائع تأتي بتفصيل ذلك وتبيينه, وما أدركه العقل الصريح من ذلك أتت الشرائع بتقريره. وما كان حسنا في وقت قبيحا في وقت ولم يهتد العقل لوقت حسنه من وقت قبحه, أتت الشرائع بالأمر به في وقت حسنه, وبالنهي عنه في وقت قبحه. وكذلك الفعل يكون مشتملا على مصلحة ومفسدة, ولا تعلم العقول مفسدته أرجح أم مصلحته؟ فيتوقف العقل في ذلك, فتأتي الشرائع ببيان ذلك, وتأمر براجح المصلحة, وتنهى عن راجح المفسدة. وكذلك الفعل يكون مصلحة لشخص مفسدة لغيره, والعقل لا يدرك ذلك, فتأتي الشرائع ببيانه, فتأمر به من هو مصلحة له, وتنهى عنه من هو مفسدة في حقه. وكذلك الفعل يكون مفسدة في الظاهر وفي ضمنه مصلحة عظيمة لا يهتدي إليها العقل, فلا يُعلم إلا بالشرع كالجهاد. ويكون الفعل في الظاهر مصلحة, وفي ضمنه مفسدة عظيمة لا يهتدي إليها العقل, فتجيء الشرائع ببيان ما في ضمنه من المصلحة والمفسدة الراجحة ... فالحاجة إلى الرسل ضرورية, بل هي فوق كل حاجة؛ فليس العالم إلى شيء أحوج منهم إلى المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين؛ ولهذا يُذكّر سبحانه عباده نعمَهُ عليهم برسوله, ويعُدّ ذلك عليهم من أعظم المنن منه؛ لشدة حاجتهم إليه, ولتوقف مصالحهم الجزئية والكلية عليه, وأنه لا سعادة لهم, ولا فلاح ولا قيام إلا بالرسل؛ فإذا كان العقل قد أدرك حسن بعض الأفعال وقبحها, فمن أين له معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته وآلائه التي تعرّف بها الله إلى عباده على ألسنة رسله؟ ومن أين له معرفة الغيب الذي لم يُظهر الله عليه أحدا من خلقه إلا من ارتضاه من رسله؟ ومن أين له معرفة تفاصيل شرعه ودينه الذي شرعه لعباده؟ ومن أين له تفاصيل مواقع محبته ورضاه وسخطه؟ ومن أين له معرفة تفاصيل ثوابه وعقابه, وما أعد لأوليائه, وما أعد لأعدائه, ومقادير الثواب والعقاب وكيفيتهما ودرجاتهما؟ إلى غير ذلك مما جاءت به الرسل وبلغته عن الله, وليس في العقل طريق إلى معرفته. فكيف يكون معرفة حسن بعض الأفعال وقبحها بالعقل مغنيا عما جاءت به الرسل؟ ... ) إلى أن قال: (ولهذا كان كل موضع ظهرت فيه آثار النبوة فأهله أحسن حالا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت