فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 48

وأصلح بالا من الموضع الذي يخفى فيه آثارها. وبالجملة فحاجة العالم إلى النبوة أعظم من حاجتهم إلى نور الشمس, وأعظم من حاجتهم إلى الماء والهواء الذي لا حياة لهم بدونه).

ويمكن أن نضيف هنا إلى تلك اللآلئ القيمة لابن القيم رحمه الله تعالى أن العقل لا يفيد اليقين, ولا يحس صاحبه ببرده إلا في جهات ثلاث:

الأولى: حيث يجد العقل نصا قاطعا ثابتا عن صاحب الشرع يفيد اليقين, فيُعرَض على العقل البريء الطاهر, فيشعر بطمأنينة اليقين عند ذلك؛ وهذا في الواقع يقين مصدره النص, وسرى إلى النفس بغريزة العقل فيها.

الثانية: في القضايا الفطرية والأمور البدهية, وهذه أكثرها ليس مجالا للنصوص, وإن كانت النصوص تتخذها منطلقات لإقناع المخالف؛ كقوله تعالى: (أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون) النحل/17, وقوله سبحانه: (أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون) الطور/35.

وهذه الجهة لا يمكن أن تجد في النصوص ما يخالفها, بل الخطاب الشرعي يجعلها أساسا لإقامة الحجة على الكفار. بل إن الشرع ليقبل فيها شهادة العقل في أصل الاعتقاد, وهو الإيمان بالله وصفاته وأفعاله, والإيمان بالرسل؛ لأن هذه الأمور إنما خاطب الشرع فيها العقل الذي يجعل النفس مضطرة (اضطرارا عقليا) لقبولها, ولا تجد منها فكاكا, وإن دُفعت بعوامل الكبر والغرور والعناد والتعصب وأمثال ذلك إلى إنكارها؛ كما قال تعالى عن أمثال هؤلاء: (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا) النحل/14, وقوله عز وجل: (فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون) الأنعام/33؛ فمبنى جحودهم إنما هو على قاعدة الظلم والاستكبار والتعصب, وقوله تعالى: (وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى) فصلت/17؛ فانظر إلى قوله (فاستحبوا) إشارة إلى تضخم غريزة المتعة في نفوسهم وطغيانها على غريزة العقل. ويجمع ذلك كله قوله تعالى: (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم) الجاثية/33؛ فمن عبد هواه في شعبة من شعابه فلا تأمل منه موافقة العقل ولا النص في تلك الشعبة إلا أن يشاء الله تعالى.

الثالثة: الحسيات والتجريبيات, فهذا مجال تكثر فيه الأمور القطعية إذا كان الحس سليما, ولم يتعرض لمعوق من المعوقات, وكانت التجربة كاملة. وهذا مجال العلوم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت