ويقصد بمرحلة التنزيل: إيقاع الحكم على النازلة، وسبيله ـ بلسان الأصول ـ تحقيق المناط على الوقائع المتجددة، فإن الحكم المعلق بوصف يحتاج في الحكم على المعين أن يعلم ثبوت ذلك الوصف فيه.
وهو ضربان: تحقيق المناط في النوع، أي في عموم نوع النازلة، وتحقيق المناط في العين، أي في آحاد النوازل [1] .
ومثال النوع: أن تقول: إن التورق جائز، ومثال الآحاد: أن تقول إن هذه المعاملة تسمى تورقًا، فهي جائزة.
ومن أمثلة التنزيل على الأشخاص: قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ} [التوبة (60) ] ، فالفقر والمسكنة أوصاف شرعية، ويبقى النظر في الشخص المعين: هل هو من الفقراء أو المساكين المذكورين في القرآن أم لا؟، وكما حرم الله الخمر والربا عمومًا، ويبقى الكلام في الشراب المعين: هل هو خمر أم لا؟، قال ابن تيمية:"وهذا النوع مما اتفق عليه المسلمون، بل العقلاء؛ بأنه لا يمكن أن ينص الشارع على حكم كل شخص، إنما يتكلم بكلام عام، وكان نبينا - صلى الله عليه وسلم - قد أوتي جوامع الكلم" [2] اهـ.
ومعلوم أن الأحكام الشرعية تكون تجريدية، وأن الوقائع تكون متشخصة في الأفراد والأعيان، وموجَب إعمال الشريعة: تنزيل أحكامها على الوقائع، فهذا هو محك ديمومة الشريعة واستمرارها.
وفي هذه المرحلة من البحث يقوم الفقيه ببيان توفر متعلق الحكم في النازلة، وقد يكون المتعلق علة، أو سببًا، أو شرطًا، أو مانعًا للحكم، أو معنى تضمنه الحكم المأمور به، أو المنهي عنه، أو معنى تعلق به لفظ التعريف، أو اللفظ العام، أو المطلق، وله أفراد ينظر في اندراجها تحته [3] .
(1) مجموع الفتاوي (22/ 330) ، الفروق؛ للقرافي (1/ 128 - 129) ، الموافقات (4/ 89 - 93) .
(2) مجموع الفتاوي (22/ 330) ، وانظر: الموافقات (4/ 89 - 93) ، الفروق؛ للقرافي (1/ 128 - 129) .
(3) تحقيق المناط؛ د. صالح العقيل، مقالة منشورة بمجلة العدل، وزارة العدل، الرياض، العدد (20) 1424 هـ، ص (93) .