ويراعي الباحث في هذه المرحلة ما تقتضيه الأدلة النقلية والعقلية، وما ترشد إليه قواعد السياسة الشرعية، كما ينبغي رعاية المآلات، والتدرج من الأخف إلى الأشد، ومن الرخص إلى العزائم، وصولًا إلى منهج فقهي إسلامي يتسم بدرجة مناسبة من الالتزام الشرعي والفني.
ويقرر الشاطبي أن مرحلة التنزيل هذه بالغة الأهمية، وأن منها ما هو سهل يسير، ومنها ما هو صعب عسير [1] . ومنشأ الصعوبة في هذا الموضع أن يكون مما تتنازعه الأصول. فإن الشارع إذا قال: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ} [الطلاق (2) ] ، وثبت عندنا معنى العدالة شرعًا، افتقرنا إلى تعيين من حصلت فيه هذه الصفة، وليس الناس في وصف العدالة على حدٍّ سواء، بل ذلك يختلف اختلافًا متباينًا، فإنا إذا تأملنا العدول، وجدنا لاتصافهم بها طرفين وواسطة، طرف أعلى في العدالة لا إشكال فيه، كأبي بكر الصديق، وطرف آخر، هو أول درجة في الخروج عن مقتضى الوصف، كالمجاوز لمرتبة الكفر إلى الحكم بمجرد الإسلام، فضلًا عن مرتكبي الكبائر، المحدودين فيها، وبينهما مراتب لا تنحصر، وهذا الوسط غامض، لا بد فيه من بلوغ حد الوسع، وهو الاجتهاد، فهذا مما يفتقر إليه الحاكم في كل شاهد، ثم ضرب الشاطبي مثالًا فقال: كما إذا أوصى بماله للفقراء فلا شك أن من الناس من لا شيء له، فيتحقق فيه اسم الفقر، فهو من أهل الوصية، ومنهم من لا حاجة به ولا فقر، وإن لم يملك نصابًا، وبينهما وسائط، كالرجل يكون له الشيء ولا سعة له، فينظر فيه: هل الغالب عليه حكم الفقر، أو حكم الغنى.
ثم ذكر أن هذا الموضع مما يختلف باختلاف الأحوال والأوقات وغير ذلك من الأمور التي لا تنضبط بحصر، ولا يمكن استيفاء القول في آحادها. وذلك أن كل صورة من صوره النازلة نازلةٌ مستأنفة في نفسها، لم يتقدم لها نظير.
والشريعة لم تنص على حكم كل جزئية على حدتها، وإنما أتت بأمور كلية، تتناول أعدادًا لا تنحصر، ومع ذلك فلكل معين خصوصية ليست في غيره. فلا يبقى صورة من
(1) الموافقات (4/ 92) .