الصور الوجودية المعينة إلا وللعالم فيها نظرٌ سهل أو صعب، حتى يحقق تحت أي دليل تدخل، فإن أخذت بشبه من الطرفين فالأمر أصعب، وهذا كله بين لمن شدا في العلم [1] .
ولهذا فإن الاقتصار في الفتيا على الاجتهاد الاستنباطي، دون الاجتهاد التنزيلي [2] ، من مثارات الغلط، إذ لا يكفي حفظ الدليل الواحد في فقه التنزيل، وفي ذلك يقول السيوطي:"وإن خاضوا تنزيل الفقه الكلي، على الموضع الجزئي، فذلك يحتاج إلى تبصرٍ زائد على حفظ الفقه وأدلته" [3] اهـ، فقوله:"الفقه الكلي"يعني به تلك الأحكام الكلية المطلقة المجردة، غير المختصة بنازلةٍ معينة [4] . وقوله"الموضع الجزئي": أي الواقعة الجزئية المعينة المشخصة [5] .
ومن شروط جودة التنزيل: توفر مهارات البحث الفقهي، ومن أهمها: الثقة والحسم، ومأخذهما: الدربة والمران، وإلا فإن بعض الباحثين يقطع دهره في التردد في حسم مسألة من المسائل، وهي أهون من ذلك، فهذا بسبب قصور الدربة والمران، وقد تقصر الدربة عن مواضع الإشكال العسيرة الخفية، وربما استغلقت المسألة على العالم الثقة دهرًا طويلًا، كما صرح به جمعٌ من المتقدمين، كالإمام القرافي وغيره.
ومن أهم المهارات الفقهية التي يتعين على الباحث اكتسابها: حسن التصرف في مضايق النظر، وذلك عندما تتعارض الأدلة، وتتقابل الأصول في المسألة الواحدة، فهذا مما يمتحن الله به الفقهاء.
وينعقد الإشكال التنزيلي في البحث النوازلي ساعةَ يتزاحم على المسألة دليلان فأكثر [6] ، فحينئذ يحسن إجراء البحث أخذًا بمجامع الفقه، وضبطًا لأصول المسائل، كمسائل:
(1) الموافقات (4/ 91) .
(2) انظر في الاجتهاد التنزيلي: ضوابط الاجتهاد التنزيلي في ضوء الكليات المقاصدية؛ د. وورقية عبد الرزاق (25) وما بعدها، دار لبنان، بيروت، ط أولى، 1424 هـ.
(3) الرد على من أخلد إلى الأرض (120) .
(4) ضوابط الاجتهاد التنزيلي؛ د. وورقية عبد الرزاق (27) .
(5) المرجع السابق.
(6) التزاحم هنا إنما يقع في مبادئ النظر، وبادي الرأي، وإلا فإن الأدلة الصحيحة لا تتعارض في نفس الأمر، ومرادي بالتعارض ثمَّ ما يقع بين العام والخاص، والمطلق والمقيد، ونحو ذلك مما هو مقرر في علم الأصول، وهنا دور المجتهد في تحقيق الأخذ بالأحكم، وردِّ المتشابه إليه،"ولذلك لا تجد البتة دليلين أجمع المسلمون على تعارضهما، بحيث وجب عليهم الوقوف، لكن لما كان أفراد المجتهدين غير معصومين من الخطأ؛ أمكن التعارض بين الأدلة عندهم"، انظر: الموافقات؛ للشاطبي (4/ 217) .