الحقنة بأنواعها للصائم، وزكاة المال الحرام، والتورق، وتأجير البناية لبنك ربوي، وشراء الذهب بصور النقد الحديثة، وغيرها كثير من المسائل التي ما تزال محل استشكال لدى الكثيرين، مما هو من جنس ما قال فيه عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وابن عباس - رضي الله عنهم: © حرمتهما آية، وأحلتهما آية ® [1] ، وذلك في حكم الجمع بين الأختين المملوكتين في الوقاع، ووجه الشبه بين ما توقف فيه هؤلاء الصحابة وتلك المسائل المشار إليها قبلُ؛ هو وقوع التعارض في مأخذ كلٍّ، سواءٌ وقع التعارض بين دليلين [2] ، أو أصلين، أو قاعدتين، وذلك أن النازلة لا تكون في المسائل الواضحة غالبًا، فلا يستشكل الناس حكم تعاطي الحقنة للمفطِر مثلًا، و لا حكم المال الحرام، ولا شراء السيارة بقصد تملكها، ولا تأجير البناية لمن يستعملها في مباح، ولا شراء الذهب بالنقد، فهذه لا إشكال فيها على أحد.
على أن مبنى الفقه على الظنون الغالبة، والمقاربة أصل من أصول الحسم الفقهي، وهي جادة مسلوكة لدى المتقدمين مع شدة ورعهم، وقد قال الإمام أبي محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني"ومن ابتلي فإنه يقرِّب الأمر فيه، كي تظهر له لوائح الحق" [3] .
(1) جاء هذا الأثر مرويًا عن عثمان - رضي الله عنه - عند ابن أبي شيبة (7/ 189) ، وعن علي - رضي الله عنه -، عند ابن أبي شيبة (3/ 482) ، والدارقطني (3/ 282) ، وعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أخرجه ابن أبي شيبة (3/ 481) ، وسعيد بن منصور (1/ 446) ، والدارقطني (3/ 282) ، ومرادهم - رضي الله عنهم - بالآية المحرمة هنا قوله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء (24) ] ، والآية المحلَّة قوله - عز وجل: {وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ} [النساء (23) ] ، قال ابن كثير"وجماعة الفقهاء متفقون على أنه لا يحل الجمع بين الأختين بملك اليمين في الوطء، كما لا يحل ذلك في النكاح"اهـ من تفسيره (1/ 474) .
(2) من فوائد الفقه المستند إلى القواعد أنه يراعي عند التعارض بين الأدلة؛ العوارضَ الطارئةَ على صورةِ النازلة، فلا تغيبُ عنه عند تنزيل الأدلة على الوقائع؛ جهتا اقتضاء الأدلة للأحكام، وهما جهتا الاقتضاء الأصلي، والاقتضاء التبعي.
(3) فتاوي ابن أبي زيد القيرواني؛ لأبي محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني (211) ، بتحقيق د. حميد محمد لحمر، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط أولى، 2004 م.