فينحصر الكلام عن المسألة على حكم الغناء بدون آلة موسيقية ,وهو محل نزاع بين العلماء.
ثانيًا: مذاهب العلماء في حكم مجرد الغناء
,اختلف الفقهاء على ثلاثة مذاهب:
الأول: الإباحة ,وذهب إليها فقهاء الشافعية (3) وبعض فقهاء الحنفية (4) والحنابلة (5) وانتصر له ابن حزم (6) وهو مذهب أهل الظاهر والمتصوفة (7) .
الثاني: الحرمة, وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي في أحد قوليه ,ورواية عن أحمد. (1)
الثالث: الكراهة, وحكي عن أبي حنيفة ,وجمهور المالكية, والظاهر من قول الشافعي, حيث قال: هو من اللهو المكروه, وهو رواية عن أحمد. (2)
ثالثًا: الأدلة -أدلة القول الأول (الإباحة) :من الكتاب: قال تعالى: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} (3) ووجه الاستدلال: أن"أل"في لفظ الطيبات تدل على الشمول أي يتبادر إلى الذهن أنه يشمل كل طيب يستلذ به, إضافة إلى الطهارة والحلال ,وصيغة العموم كلية تتناول جميع أفراد العموم ,أي المعاني الثلاثة, ولو اقتصر على واحد ,لاقتصر على الظاهر المتبادر وهو المستلذ. (4)
ومن السنة: [1] -عن عائشة رضي الله عنها قالت: (( دَخَلَ عَلَيَّ أَبُو بَكْرٍ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ مِنْ جَوَارِي الْأَنْصَارِ، تُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَتْ بِهِ الْأَنْصَارُ، يَوْمَ بُعَاثَ، قَالَتْ: وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ، فَقَال
(1) ابن نجيم ,زين الدين بن إبراهيم بن محمد، البحر الرائق شرح كنز الدقائق, ط 2 (دار الكتاب الإسلامي ,بدون تاريخ) 8/ 215 - لجنةعلماءبرئاسةنظامالدينالبلخي, الفتاواالهندية, ط 2 (دار الفكر,1310 ه) 5/ 351 -
الشوكاني ,محمدبنعليبنمحمدبنعبدالله, نيلالأوطار, تحقيق: عصامالدينالصبابطي, ط 1(مصر: دارالحديث،=
1413 هـ - 1993 م)6/ 223 - 224 - الغزالي, محمدبنمحمد, إحياءعلومالدين, بدون طبعة أوتاريخ (بيروت: دارالمعرفة) 2/ 269 - 270
(1) العبدري, محمدبنيوسفبنأبيالقاسمبنيوسف, التاجوالإكليللمختصرخليل, ط 1 (دارالكتبالعلمية, 1416 هـ-1994 م) 5/ 245 - عبده السيوطي, مرجع سابق,6/ 618 - ابن عابدين, محمد أمين بن عمر, رد المحتار على درر المختار, ط 2 (بيروت: دار الفكر,1412 ه-1992 م) 4/ 259 - النووي, يحي بن شرف, روضة الطالبين وعمدة المفتين, تحقيق: زهير الشاويش, ط 3 (بيروت-دمشق-عمان: المكتب الاسلامي,1412 ه,1991 م) 11/ 227
(2) المقدسي, عبداللهبنأحمدبنمحمدابن قدامة, الكافيفيفقهالإمامأحمد, ط 1 (دار الكتب العلمية, 1414 هـ - 1994 م) 4/ 274 - عليش, محمدبنأحمد, منحالجليلشرحمختصرخليل, د. ط (بيروت: دارالفكر, 1409 هـ/1989 م) 8/ 395 - الدسوقي, محمد بن أحمد بن عرفة, حاشية الدسوقي على الشرح الكبير, د. ط (دار الفكر) 4/ 166 - الشربيني, محمدبنأحمدالخطيب, مغنيالمحتاجإلامعرفةمعانيألفاظالمنهاج, ط 1 (دارالكتبالعلمية، 1415 هـ - 1994 م) 6/ 347 - 348
(3) سورة الأنعام: آية 157
(4) الشوكاني, نيل الأوطار,8/ 118 ,لكن قد يعترض على الاستدلال ,إن كان الطيب الحلال المباح هو المستلذ بمعنى الغناء لقصد إباحة كثير من المستلذات منها الخمر وأشباهه ,لكن كون الشئ مستلذا ليس دليلًا على إباحته أو تحريمه==,إنما يكون دليلًا على الأحكام التكليفية فحسب. انظر=ابن تيمية, أحمد بن عبد الحليم , الاستقامة, تحقيق: د. محمد رشاد سالم, ط 1 (المدينة المنورة: جامعة الإمام محمد بن سعود, 1403 هـ) 1/ 338 - 339
(1) أخرجه مسلم في صحيحه, كتاب صلاة العيدين , باب الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه في أيام العيد, ,2/ 607,رقم الحديث 892
(2) القسطلاني ,أحمد بن محمد بن أبى بكر بن عبد الملك , إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري ,ط 7 (مصر: المطبعة الكبرى الأميرية،1323 هـ) 2/ 207.وهو اأحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك القسطلانيالقتيبي المصري، أبو العباس، شهاب الدين: من علماء الحديث. مولده ووفاته في القاهرة (851 - 923) .انظر=الزركلي, خير الدين بنمحمود, الأعلام, ط 15 (دار العلم للملايين,2002 م) ,1/ 232.واعترض على الاستدلال من عدة أوجه:1 - قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"ليس في حديث الجاريتين, أن النبي صلى الله عليه وسلم استمع إلى ذلك, والأمر والنهي إنما يتعلقان بالاستماع لا مجرد السماع",2 - قال ابن القيم:"هذا الحديث, من أكبر الحجج عليك أي المستدل به؛ لإباحة الغناء, فإن الصديق سمى الغناء مزمور الشيطان ,ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم هذه التسمية".3 - هذا النوع من الغناء مرخص فيه لجويريتين صغيرتين دون سن البلوغ ,غير مكلفتين ,وفي يوم عيد ,وهذا فرح لضعفاء العقول الذين لايحتملون الصبر تحت وطأة الحق., 4 - اعترض على أن هناك فرقًا بين هذا الغناء والغناء المستدل به, فإن هذا الغناء في الشجاعة والقتل ,لذلك قالت عائشة:"وليستا بمغنيتين"أي ليستا ممن تتقن صنعة الغناء كحرفة؛ لأن الغناء يطلق على رفع الصوت بالحداء ,وعلى ما تسميه العرب بالنَّصْب ولا يسمى فاعله مغنيًا وإنما يسمى بذلك من ينشد بتمطيط وتكسر. انظر= ابن تيمية, مرجع سابق,11/ 566 - ابن القيم, محمد بن أبي بكر, الكلام على مسألة السماع, تحقيق: راشد بن عبد العزيز الحمد, ط 1 (الرياض-المملكة العربية السعودية: دار العاصمة,1409 ه) ص 310 - 300 - النووي ,أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف ,المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج, ط 2 (بيروت: دار إحياء التراث العربي ,1392 هـ) 6/ 182 - 183