فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 66

والوقائع والمستجدات في الحياة ببصيرة وهدى وفقه وعقل وما أقل من جمع ذلك في زماننا.

وإن مثل من يتصدى للفتوى والاجتهاد في النوازل من غير إلمام بمقاصد الشرع ولا معرفة حقيقية بالواقع مثل من يبحث عن الثمرة في غير شجرتها، أو كمن يحاول استنبات البذرة في غير بيئتها ومكانها المناسب الذي لا تنمو وتنتج إلا فيه، وأنى لهذا أو لذلك أن يبلغ المراد أو يصل للغاية والهدف [1] .

وإذا عرضت على الفقيه واقعة ليس فيها نص حكم للشارع فإنه يعطي هذه الواقعة حكما يتفق مع مقاصد الشارع، وذلك بأن يكون الحكم محققا مصلحة من جنس المصالح التي دلت النصوص على اعتبارها، ومن ذلك أن الصحابة حكموا بتضمين الصناع السلع التي تتلف بأيديهم، محافظة على الأموال، وحكموا بقتل الجماعة إذا اشتركوا في قتل الواحد، حفظا للأرواح، وحفظ المال والنفس من المصالح التي لاحظها الشارع في تشريعه، وسار على وفقها في تشريع الأحكام.

وأخيرا فإن الفقيه يزن الأدلة الجزئية الظنية بمقاصد الشارع التي قامت أدلته على اعتبارها، فما كان منها مخالفا لهذه المقاصد رده ولم يعتمد عليه في الاستنباط، فقد ردت عائشة رضي الله عنها حديث"إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه" [2] لأنه يخالف مقصدا شرعيا دل عليه قوله تعالى: (أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى*وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) [3] وأهمل"مالك"اعتبار حديث"من مات وعليه صوم صام وليه عنه" [4] ، لمخالفته لهذا المقصد أيضا [5] .

إن المجتهد في حاجة إلى معرفة مقاصد الشارع وإلى الطرق التي بها تعرف المقاصد حتى تكون مقاصده تابعة لمقاصد الشارع ومحكومة بها، وذلك لأن اجتهاده في الأمور التي ليست دلالتها واضحة إنما يقع موقعه على فرض أن يكون ما ظهر له هو الأقرب إلى قصد الشارع، والأولى بأدلة الشريعة دون ما ظهر لغيره من المجتهدين فيجب عليه اتباع ما هو الأقرب، وأما غير المجتهد فهو بحاجة لعلم المقاصد للتعرف على أسرار التشريع وحكمه. وكذلك لتنشيط العقل المسلم وتخليصه من الأمراض والعلل الناجمة عن النظر الجزئي، وتناسي الغايات وتجاهل المقاصد والتشبث بالأمور الشكلية واللفظية والإحالة على التعبد لأدنى ملابسة وتجاهل الحكم أو الكسل عن طلبها والتفتيش عنها.

وإن العلم بمقاصد الشريعة وأهدافها وغاياتها يساعد كثيرا على إخراج العقل المسلم من

(1) المختصر الوجيز في مقاصد التشريع: د. عوض بن محمد القرني ص 13.

(2) البخاري في الجنائز (1206) ، ومسلم في الجنائز (1543) .

(3) سورة النجم الآية (38 - 39) .

(4) أخرجه البخاري (1851) ، ومسلم (1147) .

(5) انظر أصول الفقه/ د. حسين حامد ص 14، 15، ومقدمة لدراسة الفقه الإسلامي/ د. محمد كمال الدين إمام ص 20، 21.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت