تلك الوهدة ويعالجه من تلك الأمراض ويعيد إليه نقاءه وصفاءه وتألقه وقدرته على العطاء والاجتهاد وتوخي المقاصد والغايات [1] .
قال عبد الوهاب خلاف:"ومعرفة المقصد العام من التشريع من أهم ما يستعان به على فهم نصوصه حق فهمها، وتطبيقها على الوقائع، واستنباط الحكم فيما لا نص فيه [2] لأن دلالة الألفاظ والعبارات على المعاني قد تحتمل عدة وجوه، والذي يرجح واحدا من هذه الوجوه هو الوقوف على مقصد الشارع، ولأن بعض النصوص قد تتعارض ظواهرها، والذي يرفع هذا التعارض ويوفق بينها أو يرجح أحدها هو الوقوف على مقصد الشارع، ولأن كثيرا من الوقائع التي تحدث ربما لا تتناولها عبارات النصوص، وتمس الحاجة إلى معرفة أحكامها بأي دليل من الأدلة الشرعية، والهادي في هذا الاستدلال هو معرفة مقصد الشارع."
ولهذا يعنى رجال السلطة التشريعية في الحكومات الحاضرة بوضع المذكرات التفسيرية، التي تبين المقصد من تشريع القانون بوجه عام، وتبين المقصد الخاص من كل مادة من مواده، وهذه المذكرات التفسيرية وجميع البحوث والمناقشات التي تبودلت أثناء تحضير القانون وتشريعه هي عون رجال القضاء على فهم القانون وتطبيقه بنصوصه وروحه ومعقوله. وكذلك نصوص الأحكام الشرعية لا تفهم على وجهها الصحيح إلا إذا عرف المقصد العام للشارع من تشريع الأحكام وعرفت الوقائع الجزئية التي من أجلها نزلت الأحكام القرآنية أو وردت السنة القولية أو العملية [3] .
اجتهاد الصحابة في النوازل:
قال ابن القيم الجوزية في كتابه إعلام الموقعين:"... وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهدون في النوازل، ويقيسون بعض الأحكام على بعض، ويعتبرون النظير بنظيره."
وقد اجتهد الصحابة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم في كثير من الأحكام ولم يعنّفهم، كما أمرهم يوم الأحزاب أن يصلوا العصر في بني قريظة، فاجتهد بعضهم وصلاّها في الطريق، وقال: لم يرد منا التأخير، وإنما أراد سرعة النهوض، فنظروا إلى المعنى، واجتهد آخرون وأخّروها إلى بني قريظة فصلوها ليلًا، نظروا إلى اللفظ، وهؤلاء سلف أهل الظاهر، وهؤلاء سلف أصحاب المعاني والقياس [4] .
(1) راجع مذكرتنا"مقاصد الشريعة"نشر الجامعة الأمريكية المفتوحة بواشنطن ص 6.
(2) علم أصول الفقه -عبد الوهاب خلاف- ص 197.
(3) المرجع السابق ص 198، وهذا لا يعني إطلاقًا أننا نوافق على القوانين المخالفة للشريعة الإسلامية التي تصدرها بعض الحكومات، بل ندعو القانونيين دائما للرجوع إلى الشريعة الإسلامية وجعلها الأساس في بناء القوانين فهي ديننا وعقيدتنا ومنهج حياتنا الذي نسأل عنه يوم القيامة.
(4) إعلام الموقعين 1/ 163، عون المعبود 9/ 371.