الصفحة 102 من 323

* إليكم خطبة الخلافة لعمر بن عبد العزيز:

قال: (( ثم سار وسار الناسُ معه حتى دخل المسجدَ، ونودِي للصلاة؛ الصلاة جامعة، الصلاة جامعة، فتسايل الناسُ على المسجد من كل ناحية، فلما اكتملت جموعُهم, قام فيهم خطيبا، فحمد اللهَ، وأثنى عليه، وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم، ثم قال:

أيها الناس إني قد ابتُليتُ بهذا الأمر, -ماذا رآه؟ بلاءً، تذكرون أن سيدنا عمر بن الخطاب كان إذا أراد إنفاذ أمر جمع أهله وخاصَّته، وقال: إني قد أمرتُ الناسَ بكذا، و نهيتهم عن كذا، والناسُ كالطير إن رأوكم وقعتم وقعوا، وايمُ اللهِ لا أوتينَّ بواحد وقع فيما نهيتُ الناسَ عنه, إلا ضاعفتُ له العقوبة لمكانه مني, فصارت القرابةُ من عمر مصيبةً-.

أيها الناس إني قد ابتُليتُ بهذا الأمر، على غير رأيٍ مني، ولا طلب له، ولا مشورة من المسلمين، يبدو أن سليمان بن عبد الملك الذي كان قبله خليفة أوصى له بالخلافة، فقال: هذا الأمر لم يكن لي رأيٌ فيه، ولم أطلبه، ولا كان على مشورة من المسلمين، وإني خلعتُ ما في أعناقكم من بيعتي، فاختاروا لأنفسكم خليفةً ترضونه، إنما جاء هذا في وصية سليمان بن عبد الملك.

إذًا: أنا خلعتُ هذه الخلافة من عنقي، وأنتم أحرار في اختيار خليفتكم، فصاح الناسُ صيحةً واحدة: قد اخترناك يا أمير المؤمنين، ورضينا بك، فَلِ أمرَنا باليُمن والبركة، أي تولّ أمرنا باليُمن والبركة، فلما رأى أن الأصوات قد هدأت، والقلوب قد اطمأنت، حمد اللهَ كرَّة أخرى، وأثنى على محمد بن عبد الله عبده ورسوله صلَّى الله عليه وسلَّم، وطفِق يحضُّ الناسَ على التقوى، ويزهِّدهم في الدنيا، ويرغِّبهم في الآخرة، ويذكِّرهم بالموت بلهجة تستلين القلوب القاسية، وتستدرُّ الدموع العاصية، وتجرح من فؤاد صاحبها، فتستقرُّ في أفئدة السامعين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت