الصفحة 104 من 323

الآن دقِّقوا في القصة التالية؛ سيدنا عمر بن عبد العزيز ما كاد يسلم جنبَه إلى مضجعه حتى أقبل عليه ابنُه عبد الملك، وكان يومئذ يتَّجه نحو السابعة عشرة من عمره، وقال: (( ما تريد أن تصنع يا أمير المؤمنين؟ -والآن هناك نقطة دقيقة، يقولون: أزهد الناس بالعالم أهلُه وجيرانه، يكون للإنسان شأن كبير، ولكن في بيته يُنادى باسمه، ولكن هذا الخليفة العظيم ربَّى أولادَه تربية عالية، حيث إنّ ابنه إذا أراد أن يخاطبه في البيت, يقول له: يا أمير المؤمنين، وهذا من الأدب، والنبيُّ عليه الصلاة و السلام رأى شابا يمشي أمام شيخ فنهاه، فعن أبي هريرة رضي اللّه عنه, أنَّ النبيَّ صلى اللّه عليه وسلم رأى رجلًا معه غلام، فقال للغلام: (( مَنْ هَذَا؟ قال: أبي، قال: فَلا تَمْشِ أمامَهُ، ولا تَسْتَسِبَّ لَهُ، وَلا تَجْلِسْ قَبْلَهُ، وَلا تَدْعُهُ باسْمِهِ ) ).

قال النوويّ: قلت: معنى لا تَسْتَسِبَّ له: أيْ لا تفعل فعلًا يتعرّض فيه لأن يسبّك أبوك زجرًا لك, وتأديبًا على فعلك القبيح-.

قال: ماذا تريد أن تصنع يا أمير المؤمنين؟ فقال: أيْ بنيَّ أريد أن أغفُوَ قليلا، فلم تبقَ في جسدي طاقة، -يقال لك: عُصرت عصرا، هل هناك شيء خلاف الأصول؟ إنسان يومان أو أكثر في عمل مستمر وشاق، أراد أن يغفو قليلا- فقال ابنُه: أتغفو قبل أن تردَّ المظالم إلى أهلها يا أمير المؤمنين؟ فقال: إني قد سهرتُ البارحة في عمِّك سليمان، وإني إذا حان الظهرُ صليتُ بالناس، ورددتُ المظالم إلى أهلها إن شاء الله، قال ابنُه: ومَن لك يا أمير المؤمنين أن تعيش إلى الظهر؟ قال له: وهل تضمن أن تعيش إلى الظهر؟ -فألهبت هذه الكلمات عزيمةَ عمر، وأطارت النومَ من عينيه، وبعثت القوةَ والعزم في جسده المتعب- وقال: ادنُ مني يا بني، فدنا منه, فضمَّه إليه، وقبَّل ما بين عينيه، وقال: الحمد لله الذي أخرج من صلبي, من يُعِينُنِي على ديني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت