فهرس الكتاب
كان لعمر بن عبد العزيز خمسة عشر ولدا، فيهم ثلاث بنات، وكانوا جميعا على حظٍّ موفور من التقى، ومقام كبير من الصلاح، لكنَّ عبد الملك كان واسطة العقد، وكوكبة أخوته، فقد كان أديبا، وكان أريبا ذكيا، له سنُّ الفتيان، وعقلُ الكهول، وأروع ما في الشاب عقلُه الكبير، وأروع ما في الشاب ورعُه، وأروع ما في الشاب معرفتُه، وأروع ما في الشاب أدبُه، وأروع ما في الشاب عفَّته، وأروع ما في الشاب توبتُه، وأروع ما في الشاب حبُّه لله عزوجل، وربُّنا عز وجل يعجب لهذا, فعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيَعْجَبُ مِنْ الشَّابِّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَةٌ ) )
[أخرجه أحمد في مسنده]
يعجب ربُّنا عز وجل، إن الله يباهي الملائكة بالشاب المؤمن، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ: (( لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ, قَالَ: قَالَ رَبُّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ: عَبْدِي تَرَكَ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي, وَالصَّوْمُ لِي, وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ) )
[أخرجه أحمد في مسنده]
ثم إنه نشأ في طاعة الله عزَّ وجل منذ نعومة أظفاره، فكان أقربَ الناس سمتًا إلى آل الخَطَّاب عامة، وأشبههم بعبد الله بن عمر، خاصة في تقواه، وتخوُّفه من معاصيه، وتقرُّبه إليه بالطاعة.
حدَّث ابنُ عمَّه عاصمٌ, فقال: (( وفدتُ على دمشق، فنزلتُ على ابن عمي عبد الملك، وهو عازِب، فصلينا العشاء، وأوى كلٌّ منا إلى فراشه، فقام عبد الملك إلى المصباح فأطفأه، وأسلم كلٌّ منا جفنيه إلى الكرى، ثم إني استيقظتُ في الليل، فإذا عبد الملك قائم يصلِّي في العتمة، وهو يقرأ قوله جل وعلا: