فهرس الكتاب
بالمناسبة وهذا من فضل الله علينا، لقد شاء حكمةُ اللهِ عزوجل أن تولد في بلد إسلامي، فيه مساجد، وفيه مجالس علم، وفيه أهل، وفيه بقيّةُ حياء، وبقية أخلاق، وبقية انضباط، نقول: بقية، ولو أن الإنسان وُلد في شيكاغو الأمريكية مثلا، أو في نيس الفرنسية، ففي هذه المدن الفاسقة الفاجرة, عصابات للخمور والزنا واللواط، واللهِ هذه نعمة كبرى، أن الله عز وجل سمح لك أن تكون في بلد سلامي، وسمح لك أن يسمعك الحقَّ، هذه بشارة أيها الأخوة، قال تعالى:
{وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ}
[سورة الأنفال الآية: 23]
أحيانا لا يعرف الإنسانُ قيمة هذه المجالس إلا إذا سافر، فيشعر بوحشة وضيق، فلا يعرف قيمة هذه المجالس إلا مَن ابتعد عن بلاد المسلمين، ومَن أقام في بلاد المشركين من دون ضرورة, فقد برئت منه ذمَّة الله.
تردَّد الحسنُ البصري على بيوت رسول الله، وتخلَّق بأخلاق ربَّاتها جميعا، واهتدى بهديهم، وقد كان كما يحدِّث عن نفسه يملأ هذه البيوت بحركته الدائبة، ويُترعها بلعبه النشيط، حتى إنه كان ينال سقوف بيوت أمهات المؤمنين بيديه، وهو يقفز فيها قفزا.
ظلَّ الحسن يتقلَّب في هذه الأجواء العبِقة بطيوب النبوة، المتألَّقة بسناها، نحن ما أتيح لنا أن نلتقيَ بنبيٍّ، لكن أنا أتصوَّر أن الإنسان لو التقى بنبيٍّ, فهذا شيء كبير وعظيم، وكان أحدُ الصحابة اسمه: ربيعة يخدم النبيَّ، فلما يأتي وقتُ نوم النبيِّ, يقول له: انصرف، أين ينام هذا الصحابي؟ على طرف باب بيت النبي، من شدة تعلُّقه به، فكمالُ الإنسان إذا كان في أَوَّجِّه لا يُصدَّق.