فهرس الكتاب
فمضى إلى خصومه، ودعاهم إلى المقاضاة، فاستجابوا له، فلمّا مثلوا بين يدي شريح قضى لهم على ولده، فلما رجع شريح وابنه إلى البيت, قال الابن لأبيه: فضحتني يا أبت، واللهِ لو لم أستشرك من قبل لمّا لُمْتُك.
أنا استشرتك، إذا كان الحقُّ عليَّ صالحتُهم، وإذا كان الحق معي أقاضيهم, فقال شريح: يا بني، والله لأنتَ أحبُّ إلي من ملء الأرض من أمثالهم، ولكن الله عز وجل أعزُّ عليَّ منك.
أخبرك بأن الحق لهم فتصالحهم صلحًا يفوت عليهم بعض حقهم، فقلت لك ما قلت )) .
أعرف رجلًا توفي رحمه الله، كان يعمل في منصب حساس في التربية والتعليم، ابنه في إحدى الشهادات لم ينجح في بعض المواد، هذه الورقة عُرضت على أربع لجان، وأغلق الاسم، التصحيح فيه خطأ، فقال: واللهِ لا أنجِّحُه، لأنه لم يُتحْ لكل الطلاب المظلومين هذه الفرصة، وأبقاه.
فالعدالة المطلقة شيء لا يُقدر بثمن.
سمعت عن قاضٍ رُفعت إليه قضية، طبعًا أحد المُدَّعى عليه موقوف، قدّم المحامي أول مذكرة لإطلاق سراحه، فلم يُستَجَبْ له، وثاني مذكرة لم يستجب، والثالثة لم يستجب، والرابعة لم يستجب، والخامسة لم يستجب.
فالموكلون عزلوا المحامي، ووكَّلوا محاميًا آخر، القاضي بعيدًا عن هذا الذي جرى, بدا له أن يطلق سراح هذا المتهم، فإذا أطلق سراح هذا المتهم بطلب أول من المحامي الجديد، ماذا يُفهم؟ أن ذاك المحامي فشل، وأن هذا متألق.
استدعى الموكلين، قال: أبلغوا المحامي السابق أن يقدم طلب الإفراج, ولن أستجيب إلا له، كي يحفظ له كرامته.
الإنسان كلما ارتقى يتقصى العدالة.
مرة كفل ولد لشريحٍ رجلًا، فقبِل شريحٌ كفالَته، فما كان من الرجل إلا أنْ فرَّ هاربًا من القضاء، فسجن شريحٌ ابنَه بالرجل الفارِّ.
الكفيل مسؤول، وكان شريح ينقل إليه طعامه بيده كل يوم إلى السجن، لقد أمر بسجنه, وصار يقدم له الطعام كلَّ يوم بنفسه.