الصفحة 155 من 323

هذا التابعي تلقى العلم عن كبار الصحابة والتابعين، تلقى العلم عن زيد بن ثابت، وأنس ابن مالك، وعمران بن حصين، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وأبي هريرة.

حدثني أحد أخواننا الكرام, وكان له دعوة إلى الله، عنده طالب تركي، فوكّل بعض أخوانه بتعليمه، تعلم وأخذ شهادة، وعاد إلى بلده، وبعد عدة سنوات, طُرق باب الشيخ، فإذا بمركبتين كبيرتين تُقِلاَّنِ مائة طالب علم، كلهم تلامذة هذا الطالب الذي درس العلم على يد هذا العالم، يقول هذا العالم وهو يبكي: يا رب, أنا علمت واحدًا، وكان من آثار هذا الواحد كل هؤلاء.

فكان تلاميذ الشيخ يمزحون معه، وهم قد علموه، يسألونه حينما تذهب إلى تركيا إذا سُئلت: مَن شيخك، من تقول؟ فأغفل أسماءهم, وذكر اسم شيخه الكبير، قال: أنتم لا أحد يعرفكم، أنا تلميذ فلان.

هي طرفة، الإنسان يفخر بأستاذه، فكيف بزيد بن ثابت، وأنس بن مالك، وعمران بن حصين، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وأبو هريرة؟ هؤلاء أساتذة هذا التابعي الجليل، الذين أقبل عليهم إقبال الظامئ على المورد العذب، فنهل من علمهم بكتاب الله، وفقههم بدين الله، وروايتهم لحديث رسول الله، فما أفعم عقله حكمة وعلمًا، وأترع نفسه صلاحًا وهداية، ثم انتقلت الأسرةُ مع فتاها إلى البصرة, واتّخذتْها لها موطنًا.

أتلاحظون البصرة كيف جذبت لها طلاب العلم؟ كانت البصرة يومئذ مدينة بكرًا، اختطَّها المسلمون في أواخر خلافة الفاروق عمر، وكانت تمثل جُلَّ خصائص الأمة الإسلامية، ومركزًا من مراكز التعليم والتوجيه للداخلين في دين الله، وصورة للمجتمع الإسلامي الجاد الذي يعمل لدنياه، كأنه يعيش أبدًا، ويعمل لآخرته, كأنه يموت غدًا.

محمد بن سيرين سلك في حياته الجديدة في البصرة طريقين متوازيين، فجعل شطرًا من يومه للعلم والعبادة، وشطرًا آخر للكسب والتجارة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت