فهرس الكتاب
أتيح لهذا التابعي الجليل أن يأخذ عن طائفة كبيرة من جلّة علماء الصحابة, هذه الفكرة توقفنا عند حقيقة، وهي أن العلم لا يؤخذ إلا من الرجال، ولو أمكن أن يؤخذ العلم من الكتب مباشرةً, لاستغنت وزارات التربية في العالم عن ألوف ألوف المعلمين، هذه حقيقة ثابتة، اقرؤوا كتاب أصل من أصول الفقه (الموافقات للشاطبي) ، في المقدمة التاسعة يقول: العلم لا يؤخذ إلا عن طريق عالم ورع متحقق، فالورع صفة نفسية، والتحقق صفة فكرية، متحقق من علمه، ورع في سلوكه، هذا هو السبيل.
أخذ عن أبي سعيد الخدري، وأبي الدرداء، وأبي أمامة، وعبادة بن الصامت، ومعاوية بن أبي سفيان، وعبد الله بن عمر بن العاص، وغيرهم، فكان هؤلاء الأساتذة العلماء الأجلاء مصابيح هداية، ومشاعل عرفان، وضع هذا الفتى التابعي لنفسه دستورًا ظل يلتزمه طوال حياته، فكان يقول: (( ما أحسن الإسلام يزينه الإيمان، وما أحسن الإيمان يزينه التُّقى, وما أحسن التقى يزينه العلم، وما أحسن العلم يزينه العمل، وما أحسن العمل يزينه الرفق ) )هذا منهج هذا التابعي؛ إسلام، وإيمان، وتقوى، وعلم، وعمل، ورفق.
ما هو المنصب الذي كان يشتغل به رجاء لخلفاء بني أمية, وهل نصح أولي الأمر في هذا المنصب؟
لكن الشيء الذي يلفت النظر في سيرة هذا التابعي, هو أنه كان وزيرًا لعدد كبير من خلفاء بني أمية، وقد تعجبون كيف وفَّق بين مقتضيات منصبه، وبين كونه من التابعين الأجلاء الورعين العاملين؟ وسوف ترون أنه ما مِن عمل على وجه الأرض يستعصي أنْ يكون في خدمة الحق.
كان لهذا التابعي صلة متينة بسليمان بن عبد الملك، وعمر بن عبد العزيز, فاقت صلاته بمَن سبقه من الخلفاء، أدناه من قلوب الخلفاء رجاحةُ عقله، وصدقُ لهجته، وإخلاصُ نيته، وحكمتُه في معالجة الأمور.