الصفحة 17 من 323

أقول لكم وهذه بِشَارة من رسول الله: إنّ الشابّ إذا أقْبَلَ على طلب العلْم، وامْتلأتْ جوانحه بِحُبّ الله ورسوله، وضبطَ جوارحهُ وسلوكه بالكتاب والسنة، فهذا الشابّ له خريف عُمُرٍ يتمنَّاهُ الإنسان تَمَنِّيًا، وقد لا يصِلُهُ، وكنت قد حدَّثكم أنَّ رجلًا بدأ بِتَعليم أولاد المسلمين في الثامنة عشرة من عُمُره، وامْتدَّ به العمر حتى الثامنة والتِّسْعين، وكان إذا رأى شابًّا في الطريق يقول له: يا بنيّ, أنت كنت تلميذي قبل أعوام، وكان أبوك تلميذي، وكان جدّك تلميذي, وكان منتصِبَ القامة، وحادّ البصر، مرهفَ السَّمع, أسنانُهُ في فمِهِ، وذاكرتُهُ قَوِيَّة، فكان إذا قيل لهُ: يا سيِّدي, ما هذا؟ يقول: يا بنيّ، حفظناها في الصِّغر، فحَفِظَها الله علينا في الكِبَر، من عاش تقِيًّا عاش قوِيًّا.

عاش عطاء بن أبي رباح حتى بلغ مئة عام، ملأ حياته بالعلم والعمل، وأتْرعها بالبرّ والتقوى، وزكَّاها بالزُّهْد بما في أيدي الناس، والرغبة بما عند الله، وللهِ درُّ القائل حين قال:

لا تسْألنَّ بُنَيّ آدم حاجةً ... وسَل الذي أبوابهُ لا تُغلقُ

الله يغضبُ إن تركْت سؤالهُ ... وبنيّ آدم حينما يُسأل يغضبُ

الحسن البصري سُئلَ بما نِلْتَ هذا المقام؟ قال: باسْتغنائي عن دنيا الناس, وحاجتهم إلى علْمي، فلا يليق بالعالم إلا أن يستغني عن دنيا الناس، وأن يحتاج الناس إلى علْمِهِ، أما إذا زهِد الناس في علمِهِ، واحتاج هو إلى دنياهم فالوَيْل له، وسقط حينئذٍ من أعْيُن الناس، فإذا أتاه اليقين وجدهُ الموتُ خفيف الحِمْل من أثقال الدنيا، وكثيرَ الزاد من عمل الآخرة، ومعه فوق ذلك سبعون حجَّةً، ووقفَ خلالها سبعين مرَّة على عرفة.

* خلاصة الدرس:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت