الصفحة 173 من 323

سليمان عنده رغبة أن تُفتح على يديه القسطنطينية، وكانت معقل الروم، فلما اقترب موعد صلاة الجمعة, توضأ الخليفة فأحسن الوضوء, ثم لبس عمامة خضراء، ونظر في المرآة نظرة معجب بنفسه، مزهوًا بشبابه، وكان في نحو الأربعين من عمره، ثم خرج ليصلي بالناس الجمعة، فلم يرجع من المسجد إلا وهو موعوك (أصابته الحمى) ، ثم أخذ يثقل عليه المرض يومًا بعد يوم، وقد سألني أن أظلّ قريبًا منه، فدخلتُ عليه ذات يوم, فوجدتُه يكتب كتابًا، فقلت: ما يصنع أمير المؤمنين؟ قال: أكتب كتابًا أعهد به إلى ابني أيوب بالخلافة من بعدي، فقلت: يا أمير المؤمنين, إنّ ممّا يحفظ الخليفة في قبره، ويبرئ ذمته عند ربه, أن يستخلِف على الناس الرجل الصالح، وإن ابنَك أيوب غلامٌ لم يبلغ الحلم بعد، ولم يتبين صلاحه من طلاحه، فتراجع، وقال: إنه كتاب كتبته، وأنا أريد أن أستخير الله فيه، ولم أعزم عليه، ثم مزق الكتاب.

ومكث بعد ذلك يومًا أو يومين ثم دعاني، وقال: يا رجاء ما رأيك في ولدي داود؟ فقلت: هو غائب مع جيوش المسلمين في قسطنطينية، وأنت لا تدري الآن أحيٌّ هو أم ميت، فقال: فمَن ترى إذن يا رجاء؟ قلت: الرأي رأي أمير المؤمنين، وكنت أريد أن أنظر فيَمن يذكرهم لكي أستبعدهم واحدًا واحدًا حتى أصل إلى عمر بن عبد العزيز.

فقال: كيف ترى عمر بن عبد العزيز؟ قلت: واللهِ يا أمير المؤمنين مَا علمته إلا فاضلًا كاملًا عاقلًا بينًا، قال: صدقت، إنه والله لكذلك، ولكنني إن ولّيته، وأغفلت أولاد عبد الملك لتكوننّ فتنة، ولا يتركونه يلي عليهم أبدًا، قلت: أشرك معه واحدًا منه، واجعله بعده، قال: واللهِ لقد أصبت، فإنّ ذلك مما يسكنهم، ويجعلهم يرضونه، ثم أخذ الكتاب، وكتب بيده:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت