ثم جاءني هشام بن عبد الملك، قال: يا أبا المقدام! إن لي عندك حرمة ومودة قديمة، وإن لك عندي شكرًا جزيلًا, فأعلمني بما في كتاب أمير المؤمنين، فإن كان هذا الأمر إليّ سكت، وإن كان لغيري تكلمتُ، فليس مثلي من يُنحى عن هذا الأمر، ولك عهدُ الله ألاّ أذكر اسمك أبدًا، فقلت: لا والله، لا أخبرك بحرف واحد ممّا في الكتاب، فانصرف وهو يضرب كفًا بكفٍّ, ويقول: لمَن يكون هذا الأمر إذا أنا نُحّيتُ عنه، أتخرج الخلافة من بني عبد الملك، واللهِ إني لعيب أولاد عبد الملك.
ثم دخلت على سليمان بن عبد الملك، فإذا هو يجود بروحه، فجعلتُ إذ أخذته السكرةُ من سكرات الموت أحرِّفه نحو القبلة، فكان يقول لي وهو يشهق: لم يأنِ ذلك بعد يا رجاء، حتى فعلت ذلك مرتين، فلما كانت الثالثة قال: الآن يا رجاء إن كنتَ تريد أن تفعل شيئًا فافعله, أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فحرفته نحو القبلة، فما لبث أن أسلم روحه لله، عند ذلك أغمضتُ عينيه، وسجّيته بقطيفة خضراء، وأغلقتُ الباب عليه، وخرجتُ.
فأرسلتْ إليَّ زوجتُه تسألني عنه، وتطلب مني أن أخبرها عن حاله، فقلت لها: شققتُ عنه الباب, وقلتُ لرسولها: انظر إليه، لقد نام الساعة بعد سهر طويل، فدعوه، فرجع فأخبرها، فقبلت ذلك، وأيقنت أنه نائم، ثم أحكمتْ إغلاق الباب, وأجلستْ عنده حارسًا أثِقُ به، وأوصيته ألاّ يتزحزح عن مكانه حتى أعود، وألاّ يُدخل على الخليفة أحدًا أبدًا، كائنًا من كان، ومضيتُ، فلقيني الناس، وقالوا: كيف أمير المؤمنين؟.