فهرس الكتاب
أحيانًا يكون الإنسان يجمِّع محركًا، وينسى شيئًا يجب أن يضعه في أول الأمر، وقد قضى أربع ساعات، ثم يقول لك: القشرة نسيناها، فيرجع ليفُكَّه من أول، فاللهُ عزَّ وجل قادر أن يتلف لك عشرين ساعة من دون مبرر، فأحيانًا تتوهَّم شيئًا فتجري تحاليل، واختبارات، ويظهر لك في الأخير أن لا شيء معك، دفعت أموالًا، وبذلت جهدًا، وتعطَّلت، وانتظرت.
أحيانًا يتعطَّل شيء بآلة عندك، فتبعث لتحضره من بلد آخر, فيأتيك ناقصًا فلا تشتغل، واعلَمْ أن الله عزَّ وجل قادر على أن يضيّع لك عشرات الساعات، بل مئات الساعات بلا طائل، في موضوعات سخيفة جدًا، ولا حول لك ولا قوة، لذلك كما أنه ينبغي أن تؤدي زكاة مالك، ينبغي أن تؤدي زكاة وقتك، كما أن زكاة المال تحفظ المال من الضياع والإتلاف، فإنّ زكاة الوقت تحفظ وقتك من الهدر.
إنّ الإنسان الموفَّق يقوم في وقت قصير بأعمال كبيرة جدًا، يقول لك: لقد بارك الله له في وقته، فتجده موفَّقًا في كل أموره، وأعماله دائمًا هادفة، ليس عنده محاولات فاشلة، ولا إحباط، ولا بعثرة، ولا ضياع في الوقت، مثلما قال بعض الصالحين: (( هم في مساجدهم، واللهُ في حوائجهم ) )-.
وقد بلغ من علمه أنه كان يقول: أقل شيءٍ تعلَّمته الشعرُ، ولو شئت لأنشدتكم منه شهرًا دون أن أعيد شيئًا مما أنشدته، -ينشد الشعر شهرًا كاملًا دون أن يعيد شيئًا مما أنشده، وهذا أقل شيءٍ تعلَّمه.
قال لي أحدهم: لو كنا مع رسول الله, والله لكان أحسن، قلت له: اشكر الله بأن جعلك في آخر الزمان، إذا الواحد منا اجتهاده ضعيف أو وسط، لوضعوه في شعبة الكسالى لكان الأول فيهم، ولو وضعوه مع الأوائل لكان آخرهم، فهؤلاء الصحابة الكرام قدَّموا شيئًا لا يصدِّقه العقل-.
كانت تعقد للشعبي حلقةٌ في جامع الكوفة، فيلتفُّ الناسُ حوله زمرًا زمرا، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم أحياءٌ, يروحون ويغدون بين أظهر الناس.