كان الشعبي يكره المراء، ويتصاون عن الخوض فيما لا يعنيه، فقدْ كلَّمه أحد أصحابه ذات يومٍ, فقال: (( يا أبا عمرو، فقال: لبيك، قال: ماذا تقول فيما يتكلَّم فيه الناس من أمر هذين الرجلين؟ قال: أي الرجلين تعني؟ قال: عثمان وعلي، قال: إني -والله- لفي غنىً عن أن أجيء يوم القيامة خصيمًا لعثمان بن عفَّان، أو لعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما جميعًا ) )، مَن أنا حتى أكون حكمًا بينهما؟ أنا غني عن أن أكون خصمًا لأحد هذين الصحابيين الكبيرين، والنبي قال: (( إذا ذُكر أصحابي فأمسكوا ) ).
ولقد جمع الشعبي إلى العلم الحلم، فقد روي أن رجلًا شتمه أقبح الشتم، وأسمعه أقذع الكلام، فلم يزِدْ عن أن قال له: (( إن كنت صادقًا فيما تقول: فغفر اللهُ لي، وإن كنت غير صادق, فغفر اللهُ لك ) )انتهى الأمر.
لم يكن الشعبي على جلالة قدره، وجذالة فضله, يأنف أن يأخذ المعرفة، أو يتلقَّى الحكمة مِن أهونِ الناس شأنًا، فلقد دَأَبَ أعرابيٌ على حضور مجالسه، غير أنه كان يلوذ بالصمت دائمًا، فقال له الشعبي مرةً: (( ألا تتكلَّم؟ فقال: اسكت فأسلم، واسمع فأعلم، وإن حظ المرء من أذنه, يعود عليه، أما حظه من لسانه, فيعود على غيره، فظل الشعبي يردِّد كلمة الأعرابي ما امتدَّت به الحياة ) )والمؤمن الصادق، لا يأنف أن يأخذ الحكمة مِن أي إنسان.
أوتي الشعبي من بلاغة الكلام، وحسن التصرُّف ما لم يؤتَهُ إلا القلةُ النادرة من الفصحاء، فقد كلَّم مرةً أمير العراقَيْن عمرَ بن هبيرة الفزاري في جماعةٍ حبسهم، فقال: (( أيها الأمير: إن كنت حبستهم بالباطل, فالحق يخرجهم، وإن كنت حبستهم بالحق, فالعفو يسعه ) ).
هناك آية قرآنيَّة تحل ألف مشكلة, قال تعالى:
{إِنَّ اللَّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ}
[سورة النحل الآية: 90]
فإذا لم تتوافق القضيَّة على العدل, فإنَّ الإحسان يسعها، وإذا كان معك الحق, وأنت منصف، لكن الشخص يحتاج لإحسانك، فلا تبخل به عليه.