فهرس الكتاب
أخواننا الكرام, هذه البلدة أينما ذهبت لن تجد مثلها في دروس العلم، فمن فضل الله؛ أن الله حبَا هذه البلدة بهذه المجالس، والناس مقبلون عليها إقبالًا شديدًا، يقول مؤلف الكتاب: إنه من أشد ما استأثر باهتمام الخليفة عبد الملك بن مروان في المدينة حلقات العلم، التي كانت تعمر المسجد النبوي الشريف، فأداء الصلوات يمكن أن يكون في أيِّ مكان، فأقل مهمة للمسجد أن تقام فيه الصلوات، ولكن أخطر مهمة أن يكون منارًا للهدى، ومركز إشعاع، ومركزًا هداية، ومكانَ تعليم وتوجيه، ومكان تدقيق وبثّ المواقف، فالمسجد له رسالة خطيرة، غير أنّ في عصور الانحطاط فُرِّغَ المسجد من مضمونه، وبقي لأداء الصلوات، والآن أنا أتمنى وأرجو أن تعود للمسجد رسالته العظمى.
تألَّق في هذه المجالس العلماء الأفذاذ من كبار التابعين، كما تتألق النجوم الزُهر في كبد السماء، فهذه حلقة عروة بن الزبير، وتلك حلقة سعيد بن المسيِّب، وهناك حلقة عبد الله بن عُتبة.
فذات يوم صحا الخليفة من قيلولته، في وقتٍ كان لا يصحو فيه عادةً، فنادى حاجبه، وقال: (( يا ميسرة، فقال: لبيك يا أمير المؤمنين، قال: امضِ إلى مسجد رسول الله، وادعُ لنا أحد العلماء ليحدَّثنا، فمضى ميسرة إلى المسجد النبوي الشريف، وأجال النظر فيه، فلم يرَ غير حلقةٍ واحدة، توسَّطها شيخٌ نيَّف على الستين من عمره، في بساطة العلماء، وعليه هيبتهم ووقارهم، فوقف غير بعيدٍ من الحلقة، وأشار للشيخ بإصبعه، فلم يلتفت الشيخ إليه، ولم يأبَهْ له، فاقترب منه، وقال: ألم ترَ أني أشير إليك؟.
قال: إليّ أنا.
قال: نعم.
قال: وما حاجتك؟.
قال: استيقظ أمير المؤمنين، وقال: امضِ إلى المسجد، وانظر هل ترى أحدًا من حُدَّاثي فائتن به؟.
فقال له الشيخ: ما أنا من حدّاثه.
فقال له ميسرة: ولكنه يبغي محدثًا يحدّثه.
فقال الشيخ: إنَّ من يبغي شيئًا يأتي إليه.