الصفحة 200 من 323

لِمَ لَمْ يخف هذا الشيخ؟ أغلبُ الظن أنه موحِّد، وأغلب الظن أنه مستقيم، فلا داعي أن يخاف، ولا أن ينافق-.

قال: إن في حلقة المسجد متسعًا له إذا كان راغبًا في ذلك، والحديث يؤتى إليه، ولكنه لا يأتي.

فعاد الحاجب أدراجه، وقال للخليفة: ما وجدت أحدًا في المسجد غير شيخٍ أشرتُ إليه فلمْ يقمْ، -فدائمًا أتباعُ السلطان لهم شعور بالفوقية- قال له: أشرت إليه فلم يقم، فدنوت منه، وقلت: إن أمير المؤمنين استيقظ في هذا الوقت، وقال لي: انظر هل ترى أحدًا من حداثي في المسجد فادعه لي؟ فقال لي في هدوء وحزم: إنني لست من حدّاثه، وإن في حلقة المسجد متسعًا إذا كان راغبًا في الحديث.

فتنهد عبد الملك بن مروان، وهبَّ قائمًا، واتجه إلى داخل المنزل، وهو يقول: ذلك سعيد بن المسيب, -عرفه من كرامته، وعرفه من مواقفه- ليتك لم تأته، ولم تكلمه )) أنا ما أردت هذا، هذا لا يأتي.

إليكم هذه القصة التي وردت عن ابن المسيب:

فلما ابتعد عن المجلس، وصار في الداخل، التفت أصغرُ أولاد عبد الملك إلى أخٍ له أكبر منه، وقال: (( مَن هذا الذي يمتنع على أمير المؤمنين، ويستكبر عن المثول بين يديه وحضور مجلسه، وقد دانت له الدنيا، وخضعت لهيبته ملوك الروم؟.

فقال الأخ الأكبر: ذاك الذي خطب أمير المؤمنين ابنته لأخيك الوليد، فأبى أن يزوجها منه.

فقال الأخ الأصغر: أبى أن يزوجها من الوليد بن عبد الملك؟ ‍وهل كان يروم لها بعلًا أسمى من ولي عهد أمير المؤمنين؟.

-هذه هي القصة، والعجب كيف أن هذا التابعي الجليل خطبت ابنته لولي عهد المسلمين، لابن أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك، الذي بنى الجامع الأموي، وهذا التابعي الجليل أبى أن يزوجه إيَّاها؟ - هل كان يروم لها بعلًا أسمى من ولي عهد أمير المؤمنين, وخليفة المسلمين من بعده؟! فسكت الأخ الأكبر، ولم يجبه بشيء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت