الصفحة 21 من 323

فهذه الدروس أيّها الأخوة, نعيشُ بها جميعًا ساعةً، وكأنَّنا في واحةٍ عقِبَ مسيرة في صحراء حارَّة، لأنَّ الذي يحْصَل أنَّك في الأيَّام كلِّها تسْتمِعُ إلى قِصَصٍ مُؤدَّاها سقوط الإنسان، ومادِيَّة الإنسان، وشحّ الإنسان، ولُؤْمُ الإنسان، وقَسْوةُ الإنسان، ونفاقُهُ، وجهْلُه، وحياةٌ فيها جهْل وسُقوط وحِقْد ولؤْم، وفيها أنانيّة وعُدوانٌ وبَغْي، وفيها تجاوُز، فإذا انتقلنا إلى هؤلاء الأبطال الذين عاشُوا حياتهم سُعَداء وكانوا مُلوكًا، مُلوك الدار الآخرة، وكانوا أبطالًا، وكانوا أعلامًا، عشنا حينئذٍ ساعة روعة وشوق.

هل كان عامر بن عبد الله التميمي من الصحابة أم من التابعين, وعلى يد من أخذ العلم, وكيف قسم حياته بعد ما نال مراده من العلم؟

فعامِرُ بن عبد الله التميميّ كان مِن التابعِين الأجِلاَّء، وقبل أنْ أدْخل في تفاصيل حياتِهِ، لفَتَ نظري في هذا التابعيّ الجليل توازنُه في حياته، فهو في عبادته كان كأرقى العابدين، ولكن إذا انتقلْتَ إلى عملهِ في النهار كان أرقى المجاهدين، وإذا انتقلْت إلى صبْرِهِ كان أشدّ الصابرين، والحقيقة كما كنت أقول لكم دائمًا: نحن مع التَّفوّق لا مع التَّطرّف, نحن مع أنْ يَنْمُوَ الإنسان في جوانِبِهِ الثلاثة، أن ينْمُوَ عَقلهُ، وأن ينْمُوَ قلبهُ، وأن ينضبِطَ سُلوكهُ، ويرقى عملهُ بِشَكْل متوازن.

يُقال: كانت البصْرَةُ على حداثتِها من أغنى بلاد المسلمين، ومن أوْفرها ثرْوةً، بما كان يتدفَّق عليها من غنائِمِ الحرب، ولكنَّ الفتى التميميّ عامر بن عبد الله لمْ يكن له أرَبٌ في ذلك كلّه، لقد كان زاهدًا بِمَا في أيدي الناس راغبًا بما عند الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت