الصفحة 215 من 323

{وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤولُونَ}

[سورة الصافات الآية: 24]

فقلت: فما الذي غيَّر ما بك بعد أن غدوتَ تملك الأصفر والأبيض، وأصبحتَ أمير المؤمنين؟ فقال: وما الذي تغيّر بي يا أبا حازم؟ فقلت: جسمك الذي نحل، وجلدك الذي اخشوشن، ووجهك الذي اصفر، وعيناك اللتان خبتا، أو خبا وميضهما، فبكى، وقال: فكيف لو رأيتني في قبري بعد ثلاث، وقد سالت حدقتاي على وجنتي، وتفسخ بطني وتشقّق، وانطلق الدود يرتع في بدني، إنك لو رأيتني آنذاك يا أبا حازم, لكنتَ أشدَّ إنكارًا لي من يومك هذا؟.

-أيها الأخوة, وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ, لا أغبط أحدًا في الدنيا, إلا رجلًا عرف ربَّه, فجهد في طاعته، هذا الذي أراه ذكيًا، وأراه عاقلًا، وأراه يستحق الإعجاب والتقدير، بل هذا الذي عرف حقيقة الدنيا وتفاهتها، وعمل للساعة الحرجة التي لا بد منها، لساعة نزول القبر.

ورد في بعض الآثار: أنه أول ليلة يدفن فيها الإنسان في قبره, يقول الله عز وجل: عبدي رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبق لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت-.

ثم رفع بصره إلي، وقال: أما تذكر حديثًا كنت حدَّثتَني به في المدينة يا أبا حازم؟ فقلت: لقد حدَّثتُك بأحاديث كثيرة يا أمير المؤمنين، فأيها تقصد؟ فقال: إنه حديث رواه أبو ذر، فقلت: نعم أذكره يا أمير المؤمنين، فقال: أعده علي، فإني أريد أن أسمعه منك، فقلت: عن أبي ذر, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يا أبا ذر, إن أمامك عقبة كؤودا, لا يقطعها إلا كل مخف, قال: يا رسول الله! أمنهم أنا؟ قال: إن لم يكن عندك قوت ثلاثة, فأنت منهم ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت