الصفحة 216 من 323

فبكى عمر بكاءً شديدًا، خشيتُ معه أن تنشق مرارته، ثم كفكف دموعه, والتفت إلي، وقال: فهل تلومني يا أبا حازم، إذا أنا أهزلت نفسي لتلك العقبة رجاء أن أنجو بها، وما أظنني ناجٍ؟ )) هذا الخوف المقدس، هذا القلق المقدس، هذا الحزن المقدس، هذا أرقى أنواع الحزن، أن تبقى خائفًا من الله، قلقًا على مصيرك الأخروي، هذه الصورة الأولى.

الصورة الثانية من صور حياة عمر بن عبد العزيز: يرويها الطبري عن الطفيل بن مرداس، يقول: (( إن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز حين ولي الخلافة, كتب إلى سليمان بن أبي السري واليه على الصغد كتابًا, قال فيه: اتخذْ في بلادك فنادقَ لاستضافة المسلمين، فإذا مرَّ بها أحد منهم, فاستضيفوه يومًا وليلة، وأصلحوا شأنه، وتعهدوا دوابه، فإذا كان يشكو نصبًا، السبب: أنه في عهد هذا الخليفة العظيم جمعت أموال الزكاة، وكأن الفقر قد انتهى، لذلك لم يجد هذا الخليفة مصرفًا للزكاة، فبدا له أن يفيَ عن الغارمين دَيْنَهم، ثم أمر بهذه المرافق الحيوية كي تكون في خدمة المسلمين، فإذا كان يشكو نصبًا, فاستضيفوه يومين وليلتين، وواسوه، فإذا كان منقطعًا لا مؤنة عنده، ولا دابة تحمله، فأعطوه ما يسدّ حاجته، وأوصلوه إلى بلده، فصدع الوالي بأمر أمير المؤمنين، وأقام الفنادق التي أمره بإعدادها، فَسَرَتْ أخبارُها في كل مكان، وطفِق الناسُ في مشارق البلاد الإسلامية ومغاربها يتحدثون عنها، ويشيدون بعدل الخليفة وتقواه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت