فهرس الكتاب
3 -ما رواه ابن عبد الحكم في كتابه:
الصورة الثالثة من صورة حياة هذا الخليفة العظيم: يرويها لنا ابن عبد الحكم، في كتابه النفيس المسمى (سيرة عمر بن عبد العزيز) ، فيقول: (( لما حضرت عمرَ الوفاةُ، دخل عليه مسلمة بن عبد الملك، وقال: إنك يا أمير المؤمنين, قد فطمت أفواه أولادك عن هذا المال، فحبذا لو أوصيت بهم إليك، أو إلى من تفضله من أهل بيتك، فلما انتهى من كلامه, قال عمر: أجلسوني، فأجلسوه، فقال: قد سمعتُ مقالتك يا مسلمة، أمَا إنّ قولك: قد فطمت أفواه أولادي عن هذا المال، فإني واللهِ ما منعتهم حقًا هو لهم، ولم أكن لأعطيهم شيئًا ليس لهم، أما قولك: لو أوصيت بهم إلي، أو إلى من تفضله من أهل بيتك، فإنما وصيي وولي فيهم الله الذي نزل الكتاب بالحق، وهو يتولى الصالحين، واعلمْ يا مسلمة أن أبنائي أحدُ رجلين؛ إما رجل صالح متقن فسيغنيه الله من فضله, ويجعل له من أمره مخرجا، وإما رجل طالح مكبٌّ على المعاصي, فلن أكون أول من يعينه بالمال على معصية الله تعالى، ثم قال: ادعوا لي بنيّ، فدعوهم وهم بعضة عشر ولدًا، فلما رآهم ترقرقت عيناه، وقلتُ - القائل مسلمة - في نفسي: فتية تركهم عالة لا شيء لهم، وهو خليفة، وبكى بكاءً صامتًا، ثم التفت إليهم، وقال:
أي بنيّ إني لقد تركت لكم خيرًا كثيرًا، فإنكم لا تمرون بأحد من المسلمين، أو أهل ذمتهم، إلا رأوا أن لكم عليهم حقًا، -هذه السمعة الطيبة، كيفما مشى ابن الرجل الصالح, يقال له: رحمة الله على والدك، هذه ثروة كبيرة جدًا- قال: يا بنيّ, إن أمامكم خيارًا بين أمرين، فإما أن تستغنوا، أي أن تصبحوا أغنياء، ويدخل أبوكم النار، وإمّا أن تفتقروا ويدخل الجنة، ولا أحسب إلا أنكم تؤثرون إنقاذ أبيكم من النار على الغنى، كذلك ربّاهم تربية عالية، ربّاهم على محبته، ومحبة الحق، ثم نظر إليهم في رفق, وقال: