الصفحة 220 من 323

قوموا عصمكم الله، قوموا رزقكم الله، فالتفت إليه مسلمة، وقال: عندي يا أمير المؤمنين, ما هو خير من ذلك, فقال: وما هو؟ قال: لدي ثلاثمائة ألف دينار، وإني أهبها لك ففرِّقها عليهم، أو تصدّق بها إذا شئت، فقال له عمر: أَوَ خير من ذلك يا مسلمة؟! قال: وما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: تردُّها لمن أخذتها منه، فإنها ليست لك بحق، فترقرقت عينا مسلمة، وقال: رحمك الله يا أمير المؤمنين حيًا وميتًا، فقد ألَنْتَ منا قلوبًا قاسية وذكّرتها، وقد كانت ناسية، وأبقيت لنا في الصالحين ذكرا، ثم تتبع الناسُ أخبارَ أبناء عمر من بعده، فرأوا أنه ما احتاج أحد منهم ولا افتقر )) وصدق الله العظيم إذ يقول:

{وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا}

[سورة النساء الآية: 9]

ورد في الأثر: أن الله سبحانه وتعالى يسأل عبدًا أعطاه مالًا وفيرًا يوم القيامة، يقول له: (( عبدي أعطيتك مالًا فماذا صنعت فيه؟ يقول: يا رب, لم أنفق منه شيئًا على أحد مخافة الفقر على أولادي من بعدي، فيقول الله عز وجل: ألم تعلم بأني أنا الرزاق ذو القوة المتين، إن الذي خشيت على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم، أي جعلتهم فقراء، ويسأل عبدًا آخر, فيقول: عبدي أعطيتك مالًا فماذا صنعت فيه؟ يقول: يا رب, أنفقته على كل محتاج ومسكين، لثقتي بأنك خيرٌ حافظًا، وأنت أرحم الراحمين، فيقول الله عز وجل: عبدي أنا الحافظ لأولادك من بعدك ) ).

يعني موضوع مستقبل أولادك منوط باستقامتك أنت، ولو تركت لهم مئات الملايين ربما أصبحوا متسولين، ربما أتلف المال كله، ربما أنفق المال كله على المعاصي، فلذلك سيدنا عمر بن عبد العزيز وقف هذا الموقف، فهذه ثلاث صور من حياته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت