الصفحة 23 من 323

فهذا التابعيّ عامر بن عبد الله التميميّ لَزِمَ أبا موسى الأشعري في سلمه وحربهِ، وفي حِلِّهِ وترْحالِهِ، فأخذ عنه كتاب الله طريًّا كما نزل على فؤاد محمَّد صلى الله عليه وسلّم، لأنّ القرآن يجب أن تتلَقَّاهُ قِراءةً، وأنْ تتلقَّاهُ فهْمًا، وأنْ تقْتَدِيَ بِمَن يُطَبِّقُهُ، وتحضرني كلمة أُعْجَبُ بها، هي في كتاب العُكْبُري، يقول عن كتاب الله العزيز: تؤخذُ ألفاظهُ من حُفَّاظِهِ، وتؤخذُ معانيهِ مِمَّن يُعانيه، يجب أن تلْتقي بإنسانٍ يُعاني هذه المعاني ويعيشُها، وشتَّان بين من يتكلَّم عن معاني القرآن، وهو لا يُعانيها، وبين من يتكلَّم عن معاني القرآن، وهو يُعانيها، وفي الحقيقة عندنا في الأدب مِقياس مِن أرقى المقاييس في رُقِيِّ النصّ الأدبي، يُسَمِّيه الأدباء والنُّقاد (الصِّدْق الفني) ، ومعْنى الصِّدق الفنيّ أن يصْدر الأديب عن تجربةٍ حيَّة يعيشها، وعن عاطفةٍ صادقةٍ، فالإنسان إذا حدّثنا عن حقيقة عاشها أبكانا، أما إذا حدَّثنا عن مشكلةٍ خياليَّةٍ لم يُبْكِنا إطلاقًا، فإذا أردْت أن تتأثَّر بأدبٍ ما فابْحَث عن أديبٍ صادقٍ فيما يقول، صِدْقُهُ فنيّ، فأنت لو اسْتمعْتَ مِن فقيرٍ يصفُ حالة الفقْر، ربّما راق له قلبك، أما لو اسْتَمَعْت إلى غَنِيٍّ مُتْرفٍ يصفُ لك حالة الفقْر، ربَّما نفرْتَ من كلامه، لأنَّه لا يعرفُ الشَّوْق إلا من يُكابِدُه، ولا الصَّبابة إلا من يُعانيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت