فهرس الكتاب
ثم إني خلفت لك ثلاثين ألف دينار، جمعتها من غنائم الحرب, فصونيها وثمّريها، وأنفقي منها على نفسك, وولدك بالمعروف, حتى أعود إليك سالمًا غانمًا، أو يرزقني الله الشهادة التي أتمنّاها، ثم ودّعها ومضى إلى غايته، وضعت السيدة الرزان حملّها بعد رحيل زوجها ببضعة أشهر، فإذا هو غلام مشرق الوجه، حلو القسمات، ففرحت به فرحًا عظيمًا، كاد ينسيها فراق أبيه، وأطلقت عليه اسم ربيعة )) وهذا الغلام الصغير موضوع درسنا اليوم.
ما هي العلامات التي ظهرت على ابن القائد فروخ, وماذا فعلت أمه بهذا الولد, وما هي الأخبار الذي وصلت عن زوجها الغائب؟
بدت على هذا الغلام الصغير علامات النجابة منذ نعومة أظفاره، وظهرت أمارات الذكاء في أفعاله وأقواله، فأسلمته أمُّه إلى المعلِّمين، وأوصتهم بأن يحسنوا تعليمه، واستدعت له المؤدبين، وحضَّتهم على أن يحسنوا تأديبه.
فأنا لا أرى أعقل من أبٍ يعطي كل جهده لتربية أولاده، إنهم كسبه الحقيقي، إنهم استمراره من بعد موته، إنهم الصدقة الجارية التي لا تنقطع بعد الموت، فما لبس هذا الغلامُ حتى أتقن الكتابة والقراءة، ثم حفظ كتاب الله عز وجل، وجعل يرتِّله نديًا طريًا كما أنزل على فؤاد محمد صلوات الله عليه، ووَعَى ما تيسّر من أحاديث رسول الله، واستظهر كلام العرب، وعرف من أمور الدين ما ينبغي أن يعرف، وقد أغدقت أمُّ ربيعة على معلمي ولدها ومؤدبيه المال والجوائز إغداقًا، فكانت كلما رأته يزداد علمًا, تزيده برًا وإكرامًا.
بالمناسبة أرى من الحكمة البالغة أن تكون علاقتك طيبة جدًا بمعلمِي أولادك، لأنه بين أيديهم فلذة كبدك، إن أحسنوا تعليمه فزت فوزًا عظيمًا، وهناك آباء يقسون في تعاملهم مع معلمي أولادهم، أو يكيلون لهم كلامًا قاسيًا في غيبتهم على مسمع من أولادهم، هذا ليس من الحكمة في شيء.
إن المعلم والطبيب كلاهما ... لا ينصحان إذا هما لم يكرما