الصفحة 234 من 323

أقبل على حلقات العلم التي كان يزخر بها مسجد المدينة، كما يقبل الظمآن على الموارد العذاب، ولزم البقية الباقية من الصحابة الكرام، وعلى رأسهم أنس بن مالك خادم رسول الله، هذا أكبر أستاذ له، وأخذ عن سعيد بن المسيب، ومكحول الشامي، وسلمة بن دينار، وواصلَ الليلَ بالنهار، إقبالًا على العلم، وطلبًا له، واحتواءً له، وإذا كلمه أحد ودعاه إلى الرفق بنفسه, كان يقول: سمعنا أشياخنا, يقولون: العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطِك شيئًا، ليس في العلم حل وسط، يمكن أنْ يكون في العمل حل وسط، بل في كل شيء حل وسط إلا في العلم، فالعلم يحتاج إلى إتقان، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطِك شيئًا، والشيء الغريب أنّه لا تحصل لذة العلم إلا بالتعمق فيه، فعدم تعمق العلم عبء ومللٌ، لذلك ضعفُ الطلاب يكون في مادة يكرهونها كراهية شديدة، أما إذا أتقنوها أصبحتْ متابعتها متعةً لهم.

ثم ما لبث كثيرًا حتى ارتفع ذكره، وبزغ نجمه، وكثر أخوانه، وأولِع به تلاميذه، وسوّده قومه، وأقول لكم بصراحة: إذا حضر الرجلُ مجالس العلم، وطلب العلم بصدق وبإخلاص, فهذا الإنسان من حقه على الله، ومن كرامته على الله؛ أن ييَسِّر له سبيل نشر العلم، ويرزقه قدرة على ذلك، أمّا سماع وسماع إلى مالا نهاية، فمستحيل، فكل إنسان طلب العلمَ يوفقه الله، أخي أنت أين تعمل؟ أعمل موظفًا عند الله عز وجل، أحيانا الإنسان بصدقه وإخلاصه، ومتابعته، وطاعته، يطلِق اللهُ لسانه، ويمنحه الأسلوب المؤثر الذي يقنع الناس به، فيلتفون حوله، ويستفيدون منه، ويشجعونه، هذا شيء ألاحظه، ما مِن أخ تعلَّم بصدق، وبإخلاص، وابتغى مرضاة الله عز وجل, إلا ويسَّر الله عز وجل له عملًا في الدعوة إليه، على صعوبة هذه الأعمال، وصعوبة الوصول إليها، قال تعالى:

{فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ}

[سورة النور الآية: 36]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت