وفيما كانت أم ربيعة غارقة في هواجسها, التفتَ إليها زوجُها، وقال: لقد جئتك يا أم ربيعة بأربعة آلاف دينار، فأخرجي المال الذي أودعته عندك, وضمِّيه إليه، ونشتري بالمال كله بستانًا، أو عقارًا، نعيش من غلته ما امتدت بنا الحياة، فتشاغلتْ عنه ولم تجبه بشيء، أعاد عليها الطلب، وقال: أين المال حتى أضمّ إليه ما معي؟ قالت: لقد وضعته حيث يجب أن يوضع، وسأخرجه لك بعد أيام قليلة إن شاء الله، وقطع صوت المؤذن عليها الحديث، فهبَّ فروخ إلى إبريقه فتوضأ، ومضى نحو الباب, يقول: أين ربيعة؟ فقالت: سبقك إلى المسجد، منذ النداء الأول، ولا نحسبك أن تدرك الجماعة.
فبلغ فروخ المسجد, ووجد أن الإمام قد فرغ من الصلاة، فأدّى المكتوبة، ثم مضى نحو الضريح الشريف, فسلم على النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم انثنى نحو الروضة المطهرة، فقد كانت في فؤاده أشواق إليها، تخيَّر مكان في رحابها وجلس، ولما همّ بمغادرة المسجد, وجد باحته, قد غصّت على رحبها بمجلس من مجالس العلم، لم يشهد له نظيرًا من قبل، ورأى الناس, قد تحلَّقوا حول شيخ المجلس حلقة إثر حلقة، حتى لم يتركوا للساحة موطئًا لقدم، وأجال بصره في الناس، فإذا فيهم شيوخ معمّرون, ومعمّمون، وذو أسنان، ورجال متوقرون، تدلّ هيأتهم على أنهم ذو أقدار، وشبان كثيرون قد جثّوا على ركبهم، وأخذوا أقلامهم بأيديهم، وجعلوا يلتقطون ما يقوله الشيخ كما تلتقط الدرر، ويحفظونه في دفاترهم، كما تحفظ الأعلاق النفيسة، وكان الناس متجهين بأبصارهم إلى حيث يجلس الشيخ, منصتين إلى كل ما يلفظ من قول، حتى كأنَّ على رؤوسهم الطير، وكان المبلغون, ينقلون ما يقوله الشيخ فقرة فقرة، فلا يفوت أحد منها شيء مهما كان، وحاول فروخ أن يتبيّن من هو الشيخ؟ -ولا يعرف أنه ابنه- فلم يفلح في ذلك لموقعه منه، وبُعْدِه عنه، لقد راعه منه بيانه المشرق، وعلمه المتدفق، وحافظته العجيبة، وأدهشه خضوع الناس بين يديه.