الصفحة 238 من 323

وما هو إلا قليل، حتى ختم الشيخ المجلس، ونهض وافقًا، فهبَّ الناس متجهين إليه، وتزاحموا عليه، وأحاطوا به، واندفعوا وراءه، وهنا التفتَ فروخ إلى رجل كان يجلس في المجلس، قل لي بربك: من الشيخ؟ قال باستغراب: ألا تعرفه! ليس في المدينة كلها من لا يعرفه، هو أعلم علمائها، قال: بلى، مَن هو؟ قال: أعذرني أنا لا أعرفه، لقد أمضيت نحوًا من ثلاثين عامًا بعيدًا عن المدينة، ولم أَعُدْ إليها إلا أمس، قال: لا بأس، اجلس إليَّ قليلًا, لأحدِّثك عن هذا الشيخ.

إنّ الشيخ الذي استمعتَ إليه سيِّدٌ من سادات التابعين، وعلَمٌ من أعلام المسلمين، وهو محدِّثُ المدينة, وفقيهها، وإمامها، على الرغم من حداثة سنه، قال فروخ: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله، وإنّ مجلسه يضمّ كما رأيت مالك بن أنس، وأبا حنيفة النعمان، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وسفيان الثوري، وعبد الرحمن بن عمر الأوزاعي، والليث بن سعد، قال فروخ: غير أنك لم تخبرني مَن هو الشيخ؟.

فلم يُتِحْ له الرجل الفرصة لإتمام كلامه، وأرى وهو فوق ذلك؛ أنه سيدٌ, كريمٌ الشمائل، موطأ الأكناف، سخي اليد، فما عرف أهل المدينة أحدًا, أوفر منه جودًا, لصديق وابن صديق، ولا أزهد منه في متاع الدنيا، ولا أرغبَ بما عند الله، قال فروخ: ولكنك لم تذكر لي اسمه، قال: إنه ربيعة الرأي، قال فروخ: ربيعة الرأي! قال الرجل: نعم, اسمه ربيعة، لكن علماء المدينة وشيوخها دعوه ربيعة الرأي، لأنهم إن كانوا لم يجدوا لقضية نصًا في كتاب الله، أو حديث رسول الله, لجؤوا إليه فيجتهد بالأمر، ويقيس ما لم يرد فيه نص، على ما ورد فيه نص، ويأتيهم بالحكم فيما أشكل عليهم، على وجه ترتاح له النفوس، قال فروخ: لكنك لم تنسبه لي، ابنُ من هو؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت