فهرس الكتاب
إذًا: فحكمُ قطع اليد لا يُؤتِي أُكُلَه في الحرب، وهذا من إدراك النبي عليه الصلاة والسلام، فلو أن الحجاج عرف أن هذا القائد الذي فتح البلاد، واحتل الحصون، وأرسل الغنائم، وقال: سأتوقف قليلًا لأختبر مداخل البلاد ومخارجها, وشعابها وأوديتها، قبل أن أُقْحِم الجيشَ الظافرَ المنتصرَ في المهالك، فهذا كلام منطقي، لكن الإنسانَ حينما يصل القمّة ربما لا يرى، لأنه دائما إذا ما لم يكن الإنسان مع الله في اتصال دائم تضلُّ أعمالُه، ولو كان ذكيًا، ويؤتى الحَذِرُ مِن مَامَنِه، فالإنسان مهما كان ذكيًا، فقد يرتكب حماقة ربما لا يفعلها الغبيّ، لأن الإنسان حينما يعتدّ بنفسه، وحينما يرى قوته، تكون هذه الرؤية المضلِّلة غشاوةً على عينيه، فبدَلَ أن يشجعه، وأن يثنيَ عليه، وأن يوافق على مقترحه، وصَفَه بالجبن والخنوع، وأنذَره بالويل والثبور، وهدّده بالتنحية عن القيادة، قائد جيشٍ معه جنود، وبيده قوة في أطراف البلاد.
ما هو رد القائد المظفر على كتاب الحجاج, وما سبب نشوء المعارك بينه وبين الحجاج, ولمن كان النصر؟
فجمع عبد الرحمن وجوهَ الجند، وقادة الكتائب، وهذه الحكمة مِن الحكمة للمؤمنين فقط، لأنه لو كان الكافر يتمتع بحكمة، وفهم، وإدراك عميق، وتوازن، لَوَضَع الأمور في أماكنها، ووقف الموقف المناسب، لكن ما دام الإنسان مقطوع عن الله، أو بعيدًا عن الله، فلا بد أن يرتكب خطأً فاحشًا، وحماقة كبيرة.
جمع عبد الرحمن وجوهَ الجند، وقادة الكتائب، وقرأ عليهم كتاب الحجاج، واستشارهم فيه، فَدَعَوْهُ إلى الخروج عليه، والمبادرة إلى نبذِ طاعته، فقال لهم عبد الرحمن: (( أتبايعونني على ذلك، وتؤازرونني على جهاده، حتى يطهِّر اللهُ أرضَ العراق من رجسه؟ فبايعه الجند على ما دعاهم إليه، وسوف ترون بعد قليل حروبًا طاحنة، وآلاف القتلى، وفتنًا سببها موقف غير حكيم من الحجاج.