الصفحة 247 من 323

هبَّ عبدُ الرحمن بن الأشعث بجيشه الممتلئ كراهيَةً للحجاج، ونشبتْ بينه وبين جيوش الثقفي معارك طاحنة، انتصر فيها نصرًا مؤزرًا، فتمّ له الاستلاء على سجستان، وجلِّ بلاد فارس، ثم أقبل ابنُ الأشعث يريد انتزاع الكوفة والبصرة من يدي الحجاج، وفيما كانت نيرانُ الحرب مشتعلة بين الفريقين، وكان ابن الأشعث ينتقل من ظفرٍ إلى ظفر، وقع للحجاج خطب زاد خصمه قوةً، ذلك أن ولاة الأنصار كتبوا إلى الحجّاج كتبًا قالوا فيها: إن أهل الذمّة قد طفقوا يدخلون في الإسلام، ليتخلصوا من دفع الجزية، وقد تركوا القرى التي يعملون فيها، واستقرّوا في المدن، وأنّ الخراج قد اضمحلّ، وأنّ الجبايات قد أفلست.

-فماذا فعل الحجاج؟ - كتب إلى ولاته في البصرة وغيرها كتبًا, يأمرهم فيها, أن يجمعوا كل من نزح إلى المدن من أهل الذمة، وأن يعيدوهم إلى القرى مهما طال نزوحهم عنها، فصدع الولاة بالأمر، وأجْلَوْا أعدادًا كبيرةً من هؤلاء عن ديارهم، وأبعدوهم عن موارد أرزاقهم، وحشدوهم في أطراف المدن، وأخرجوا معهم نساءهم وأطفالهم، ودفعوهم دفعًا إلى الرحيل إلى القرى، بعد أن مضى على فراقهم لها حينٌ من الدهر، فأخذ النساءُ والولدانُ والشيوخُ يبكون، ويستصرخون، ويستغيثون، وينادون: وا محمداه، وحاروا فيما يفعلون، وإلى أين يذهبون؟ فخرج إليهم فقهاء البصرة، وقراؤها ليغيثوهم، ويشفعوا لهم، فلم يتمكنوا من ذلك، فطفقوا يبكون لبكائهم، ويستغيثون لمُصابهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت