فهرس الكتاب
ذكرت لكم قبل دروس عدة، لما بلغ الحَجَّاجَ أن الحسن البصري ذكره بغير ما يريد، فمباشرة خاطب مَن حوله، قال: (( أنتم جبناء، واللهِ لأسقينكم من دمه، أعطى أمرا فوريا للسياف, أن يهيِّئ نفسه لقطع رأس الحسن البصري، مُدَّ النطعُ في بهو القصر، وجيء بالسياف، وقال لصاحب الشرطة: ائتن بالحسن البصري لقطع رأسه، -وانتهى الأمر-.
دخل الحسن البصري على الحجاج، فوقف له، وقال: أهلا بأبي سعيد، -ماذا حدث؟ شيء لا يُصَّدق- فما زال يدنيه منه حتى أجلسه في مجلسه، وسأله عن صحته، وتلطَّف معه وعطَّره، وسأله بعض الأسئلة، وأجابه الحسنُ، وقام وودَّعه، وقال: يا أبا سعيد, أنت سيد العلماء، السياف نظر، -لم يفهم الذي حدث- معه أمرٌ بقطع رأسه فورا، والنطع ممدود، فتبعه الحاجبُ، وقال له: يا أبا سعيد, لقد جيء بك لغير ما فُعل بك، فما القصة؟ لما دخلتَ رأيناك تمتمت، فماذا قلت؟ قال الحسن البصري، قلت: يا وليَ نعمتي، يا ملاذي عند كربتي, اجعل نقمته عليَّ بردا وسلاما, كما جعلت النارَ بردا وسلاما على إبراهيم )) هناك كلمة أقولها كثيرا: إذا كان اللهُ معك فمن عليك، وإذا كان اللهُ عليك فمن معك.
أعرف أناسا, أقرب الناس إليهم, زوجته أو ابنُه, يتطاول عليه، وقد يضربه، وأعرف أناسا أعدى أعدائه يكرمه، إذا كان اللهُ معك فمن عليك، وإذا كان اللهُ عليك فمن معك، ليس معك أحد، لذلك المؤمن موحِّد، دائما يقول: يا ربي, ليس لي إلا أنت، تبرَّأ من حولك، ومن قوتك، ومن ذكائك، وأتباعك، ومن يحبك، ومن يدعمك، ومن يغطِّي أعمالك، تبرَّأ من هؤلاء جميعا، حتى يتولى اللهُ حفظك، وتأييدك، ونصرك، ورعايتك-.
قال: اللهم بك أعوذ، وبجنابك ألوذ، اللهم اجعل في الاطمئنان إلى جودك، والرضا بضمانك مندوحة عن منع الباخلين، وغنًى عما في أيدي المستأثرين، اللهم إني أسألك فرجك القريب، ومعروفك القديم، وعاداتك الحسنة، يا رب العالمين.