فهرس الكتاب
قال: ثم ذهبت موجةٌ من الناس، وأخْفَتْهُ عن عيني، فأيقنتُ أنه لا سبيل إلى لقائه بعد ذلك، فلما كانت عشيةُ عرفة رأيته، وقد أفاض مع الناس, فدنوتُ منه، فإذا هو يقول: اللهم إن كنتَ لم تقبل حجِّتي وتعبي ونصبي, فلا تحرمني الأجرَ على مصيبتي, لتركك القبولَ مني، -اعتبر عدم القبول مصيبة- يا ربي أجرني عليها، -كما قال أحد التابعين: التقيت بأربعين من أصحاب رسول الله, ما منهم واحد, إلا وهو يظن نفسه منافقا، من شدة الورع، ومن شدة الخوف، هذا الخوف المقدَّس، هذا القلق المقدَّس، يا ترى أنا مقبول عند الله، عملي مقبول، لعل هناك خللا، لعل هناك تقصيرا، لعل هناك نفاقا، لعل هناك نية لا ترضي الله عز وجل، لعل هناك دنيا-.
ثم غاب عنه مرة ثانية، فلما يئس من لقائه, قال: اللهم اقبل دعائي ودعائه، واستجِب لرجائي ورجائه، وثبِّت قدمي وقدمه يوم تزلُّ الأقدام، واجمعني معه على حوض الكوثر يا أكرم الأكرمين )) .
جاء خليفةٌ ثانٍ: اسمه (سليمان بن عبد الملك) , يلقي رحاله في أكناف البيت العتيق، ويدلُّ أشواقه إلى الكعبة المعظَّمة، ثم التفت إلى حاجبه، وقال: (( ابتغِ لنا عالما يفقِّهنا في الدين، ويذكِّرنا في هذا اليوم الأغرِّ من أيام الله عز وجل، فمضى الحاجبُ إلى وجوه أهل الموسم، وطفق يسألهم عن بُغية أمير المؤمنين، فقيل له: هذا طاووس بن كيسان, سيد فقهاء عصره، وأصدقهم لهجة في الدعوة إلى الله، فعليك به، فأقبل الحاجبُ إلى طاووس، وقال: أجِب دعوةَ أمير المؤمنين أيها الشيخ، فاستجاب طاووسُ له من غير إبطاء، ذلك أنه كان يؤمن: بأن على الداعية إلى الله تعالى, ألاّ تعرض لهم فرصةٌ إلا اغتنموها، وألاّ تسمح لهم بادرةٌ إلا ابتدروها، وكان يوقن أنّ أفضل كلمة تُقال, هي كلمة حقٍّ أُريد بها تقويم اعوجاج.