فهرس الكتاب
فلما دخل على أمير المؤمنين حيَّاه، فردَّ الخليفة التحيةَ بأحسنَ منها، وأكرم استقبال زائره، وأدنى مجلسه، ثم أخذ يسائله عما أشكل عليه من مناسك الحج، وينصت إليه في توقير وإجلال، قال طاووس: فلما شعرتُ أن أمير المؤمنين قد بلغ بغيته، ولم يبق ما يسأل عنه, قلتُ في نفسي: إنّ هذا المجلس, لمجلسٌ: يسألك اللهُ عنه يا طاووس، ثم توَّجهت إليه، وقلت:
يا أمير المؤمنين, إّن صخرة كانت على شفير بئر في قعر جهنم، وقد ظلتْ تهوي في هذه البئر سبعين خريفا، حتى بلغت قرارها، أتدري يا أمير المؤمنين لمن أعدَّ اللهُ هذه البئر من آبار جهنم؟ فقال من غير روِيَّة: لا، ثم عاد لنفسه، وقال: ويلك لمن أعدَّها؟ بئر في قعر جهنم يهوي فيها الإنسان سبعين خريفا، إلى أن يصل إلى قعرها، فقال طاووس: يا أمير المؤمنين, أعدّها الله عزوجل لمن أشركه في حكمه فجار, لمن يظلم، فأخذت سليمانَ رِعدةٌ، ظننتُ معها أن روحه تصعد إلى باريها، وجعل يبكي، ولبكائه نشيج, يقطِّع نياطَ القلوب، فتركته وانصرفتُ، وهو يجزِّيني خيرا )) .
ماذا يقول له الخليفةُ؟ جزاك الله خيرا، أيقظه، قال له: بئر في قعر جهنم, يهوي فيها الإنسان سبعين خريفا، أتدري لمن؟ هذه لمن أشركه اللهُ في حكمه فجار على الناس.
3 -الخليفة عمر بن عبد العزيز:
ولما ولِيَ عمرُ بن عبد العزيز الخلافة بعث إلى طاووس، وقال له: (( أوصني يا أبا عبد الرحمن، كتب إليه طاووسُ رسالةً -في سطر واحد- قال فيها: إذا أردتَ أن يكون عملُك خيرا كلَّه, فاستعمِل أهل الخير, والسلام ) )أي أكبر مهمة يفعلها وليُّ الأمر: أن يستعمل الصالحين، الأمناء الأكفاء، قال تعالى:
{قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَاجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَاجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ}
[سورة القصص الآية: 26]