سيدنا عمر قال: (( خذ عهدك, وانصرِف إلى عملك، واعلم أنك مصروف رأسَ سنتك، -أحد الولاة أراد أن يمتحنه- قال له: إن وجدناك أمينا ضعيفا, استبدلناك لضعفك، وسلَّمتك من معرَّتنا أمانتك، وإن وجدناك خائنا قويًّا, استهلنا بقوَّتك، وأوجعنا ظهرك، وأحسنا أدبَك، وإن جمعت الجُرمين، جمعنا المضرتين، وإن وجدناك أمينا قويًّا, زدناك في عملك ) ).
الآن: لما آلتْ الخلافةُ إلى هشام بن عبد الملك، لطاووس معه مواقف شهيرة، لما قدِم هشام البيت الحرام, قال لخاصَّة أهله: (( التمسوا لنا صحابيا من أصحاب رسول الله، قالوا له: إن الصحابة قد تلاحقوا بربهم, واحدا إِثرَ آخر، حتى لم يبق منهم أحد، قال: إذًا: فمن التابعين؟ أوتيَ له بطاووس، فلما دخل عليه, خلع نعليه بحاشية بساطه، وسلَّم عليه من غير أن يدعوَه بأمير المؤمنين، وخاطبه باسمه دون أن يكنيه، وجلس قبل أن يأذن له بالجلوس، فاستشاط هشامُ غضبا, حتى بدا الغيظُ في عينيه، قال: ويحك، ما حملك على ما صنعت؟ قال: وماذا صنعت؟ فقال الخليفة: خلعت نعليك بحاشية بساطي، ولم تسلِّم عليَّ بإمرة المؤمنين، وسمَّيتني باسمي، ولم تكنِّني، ثم جلستَ من غير إذني، فقال طاووس بهدوء: أما خلعُ نعليَّ بحاشية بساطك, فأنا أخلعها بين يدي رب العزة كل يوم خمس مرات في المسجد، فلا يعاتبني ربي، ولا يغضب عليَّ، وأما قولك: إني لم أسلِّم عليك بإمرة المؤمنين, فلأن جميع المؤمنين ليسوا راضين بإمرتك، وقد خشيتُ أن أكون كاذبا إذا دعوتُك بأمير المؤمنين, وأما ما أخذته عليَّ من أني ناديتك باسمك، ولم أُكنِّك، فإن الله عزوجل نادى أنبياءه بأسمائهم، يا داوود، يا يحيى, يا عيسى، وكنى أعداءه بألقابهم، قال:
{تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ}
[سورة المسد الآية: 1]