الصفحة 28 من 323

كان يقول: إلهي إنَّك تعلم أنَّه لو كانت ليَ هذه الدنيا بما فيها، ثمَّ طُلِبَتْ مِنِّي مرْضاةً لك، لوَهَبْتُها لِطَالِبِها، فهَبْ ليَ نفسي يا أرحم الراحمين، إلهي إنِّي أحْببْتُكَ حُبًّا سهَّلَ عليّ كلّ مصيبة، ورضني بكل قضاء، فلا أُبالي مع حُبِّي لك ما أصبحت عليه، وما أمْسيْتُ فيه.

قال الرجل البصري: ثمَّ إنَّهُ غلبني النعاس فأسْلمْتُ جَفْني إلى النوم، وما زلْتُ أنام واسْتيقظ, وعامر منتَصِبٌ في موقفه، ماضٍ في صلاته, ومناجاته حتى تنفَّس الصبح, -هل يعقل ألاّ ينام الإنسان؟ نعم معقول، أحيانًا يسهر شخصان إلى أذان الفجر، لانْبساطهما، فهل سرورك بالله عز وجل كَسُرورِكَ بِصَديقك من أهل الدنيا؟ قال: (( يا موسى, أَتُحِبّ أن أكون جليسك؟ فَصُعِقَ! قال: كيف ذلك يا رب, وكيف أكون جليسك؟ قال: يا موسى, أما علمتَ أنَّه من ذكرني فقد جالسَني، أما علمْت أنِّي جليسُ مَن ذكرني، وحيثما الْتَمَسَني عبدي وجدني ) )-.

قال: فلمَّا بدا له الفجر، فأدَّى المكتوبة، ثمَّ أقْبلَ يدعو, ويقول: اللهمّ ها قد أصْبح الصبح، وطفقَ الناس يغدون ويروحون، يبتغون من فضلك، وإنّ لِكُلٍّ منهم حاجة، وإنّ حاجة عامر عندك أن تغفر له، اللهمّ فاقْضِ حاجتي وحاجاتهم يا أكرم الأكرمين.

ثمّ قال عامر: اللهمّ إنِّي سألتُكَ ثلاثًا, فأعْطَيتني اثْنَتَين، ومنَعْتني واحدة، اللهمّ فأعْطِنِيها حتى أعْبدَكَ كما أحبّ وأريد، ثمّ نهَضَ من مجلسه، ووقعَ بصَرهُ عليّ، فَعِلَم بمكاني منه في تلك الليلة، فجَزِعَ لذلك أشدّ الجزع، وقال لي في أسى: أراك كنت ترقبني تلك الليلة يا أخا البصرة؟ قلتُ: نعم، فقال: اسْتر ما رأيْت مِنِّي ستَركَ الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت