الصفحة 294 من 323

ولما شبَّ الفتى البكري, كان قد حفظ كتاب الله تعالى، وأخذ عن عمته عائشة من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم, ما شاء له أن يأخذ، ثم أقبل على الحرم النبوي الشريف، وانقطع إلى حلقات العلم التي كانت تنتشر في كل ركن من أركانه، فروى عن أبي هريرة رضي الله عنه، وعن عبد الله بن عمر، وعن عبد الله بن عباس، وعن عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن خبَّاب، ورافع بن خديج، وأسلم مولى عمر بن الخطاب، وغيرهم وغيرهم، أي تلقَّى العلمَ عن كبار العلماء في عصره، حتى غدا إماما مجتهدا، وأصبح من أعلم أهل زمانه بالسنة، وكان الرجلُ لا يُعدُّ رجلا عندهم حتى يتقن السنة، لأن السنة فيها تبيان للقرآن الكريم، وربُّنا عز وجل حينما حفظ كتابه، قال العلماء: إن حفظ السنة من لوازم حفظ الكتاب، لأن السنة مبيَّنة للكتاب.

ولما اكتمل لهذا الشاب البكري العلمُ, صار معلِّما، قالوا: تعلَّموا قبل أن ترأسوا، فإن ترأستم فلن تعلموا، فالإنسان في طور البناء الذاتي مهما اجتهد في ترسيخ علمه، وفي تمكين نفسه من الحقائق الناصعة مع أدلَّتها, فهذا مما يعينه على العطاء، ولم يمضِ وقتٌ طويل, حتى أصبح القاسمُ بن محمد وابن خالته سالم, إمامي المدينة الموثوقين، فقد سوَّدهما الناسُ, لِما كان يتحلَّيان به من التقى والورع، وقد بلغ من مكانتهما في النفوس, أن خلفاءَ بني أمية وولاتهم, كانوا لا يقطعون أمرا ذا بالٍ في شأن من شؤون المدينة إلا برأيهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت