الصفحة 33 من 323

نزلَ سعْد بن أبي وقاص رضي الله عنه بعد القادسيّة في إيوان كِسْرى، وأمرَ عمْرو بن مُقَرٍّ أن يجمعَ الغنائم ويُحصيَها، لِيُرْسِلَ خُمسها إلى بيت مال المسلمين، ويقسمُ باقيها على المجاهدين، فاجْتمعَ بين يديه من الأموال والأعلاق والنفائس ما يفوق الوصْف، ويعزّ على الحصر، فهنا سِلال كبيرة مختَّمَةٌ بالرصاص، مملوءة بآنِيَة الذهب والفضَّة، كان يأكل بها ملوك فارس، وهناك صناديق من نفيس الخشب كُدِّسَتْ فيها ثيابُ كِسْرى وأوْشحَتُهُ ودُروعُهُ المُحَلاَّة بالجوهر والدرر، وصناديق مملوءة بِنَفائس الحليّ وروائع المقْتَنَيات، وتلك أغمادٌ فيها سُيوف ملوك الفرس مَلِكًا بعد ملِك، وسيوف الملوك والقُوَّاد الذين خضعوا للفرس خلال التاريخ، وفيما كان العمَّال يُحْصون هذه الغنائم على مرأى من المسلمين وعلى مَسْمع, أقْبلَ على القوم رجلٌ أشعثُ أغْبر، ومعه حُقّ كبير الحجم, الحُقُّ هو الوعاء الكبير، ثقيل الوزن حملهُ بِيَدَيه كِلْتَيهما، فتأمَّلوهُ فإذا هو حُقٌّ لم تقع عيونهم على مثله قطّ، ولا وجدوا فيما جمعوه شيئًا يعدِلُهُ أو يُقاربهُ، فنظروا في داخله فإذا هو قد مُلئ بِرُوائه الدرّ والجوهر.

فقالوا للرجل: (( أين أصبْتَ هذا الكنز الثمين؟ فقال: غنِمْتُهُ في معركة كذا، في مكان كذا، فقالوا: وهل أخذت منه شيئًا؟ فقال: هداكم الله، والله إنّ هذا الحُقّ وجميع ما مَلَكَتْهُ ملوك فارس لا يعدل قلامة ظفر, ولولا حَقُّ بيت مال المسلمين فيه ما رفعْتهُ من أرضهِ، ولا أتَيْتكم به، فقالوا: من أنت أكرمكَ الله؟ فقال: واللهِ لا أخبركم لِتَحمدوني، وما أُخبرُ غيركم لِيُقَرضوني، ولكنَّني أحمدُ الله تعالى وأرجو ثوابهُ، ثمّ تركهم ومضى، فأمروا رجلًا منهم أن يتَّبعهُ، وأن يأتيهم بِخَبرهِ، فما زال الرجل يمضي وراءهُ، وهو لا يعلمُ به، حتى بلغ أصحابهُ، فلمَّا سألهم عنه, قالوا: ألا تعرفهُ؟ إنَّهُ زاهِدُ البصْرة، عامر بن عبد الله التميميّ ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت