فأمر الخليفة والِيَهُ على البصرة أن يدعو عامر بن عبد الله إلى مجلسِهِ، وأن يسألهُ عمّا نُسب إليه لِيَرفعَ له خبرهُ، فاسْتدعى والي البصرة عامرًا، وقال: إنَّ أمير المؤمنين أطال الله بقاءهُ أمرني أن أسألك عن أمور نُسِبَت إليك، فقال: سَل عمَّا أمر به أمير المؤمنين، قال: مالكَ تعْزفُ عن سنَّة رسول الله، وتأبى أن تتزوَّج؟ فقال: ما تركتُ الزواج عُزوفًا عن سنّة النبي عليه الصلاة والسلام، فأنا أشْهد أنَّه لا رهْبانيَّة في الإسلام، وإنَّما أنا امرؤً رأى أنَّ له نفْسًا واحدة، فجَعَلها لله عز وجل، وخشِيَ أن تغلبهُ الزوجة عليها، قال: ما لك لا تأكل اللَّحْم؟ فقال: آكلهُ إن وجدْتُهُ واشْتهيْتُهُ، أما إن لم أشْتَهِهِ، أو لم أجدْهُ فإنِّي لا آكله، قال: ما لك لا تأكل الجبن؟ قال: إنَّ بِمَنطقةٍ فيها مجوسٌ يصنعون الجبن، وهم قومٌ لا يفرِّقون بين الميتة والمذبوحة، إنِّي أخشى أن تكون المنفحة التي صُنِع منها الجبن من شاةٍ غير مذكَّاة، فما شهد شاهدان من المسلمين على أنَّه جبْن صُنِعَ بمنفحة شاة مذبوحة أكلته، قال: ما يمْنعك أن تأتي الولاة، وتشهد مجالسهم؟ قال: إنَّ في أبوابكم كثيرًا من طلاَّب الحاجات فادْعوهم إليكم، واقْضوا حوائجهم لديكم، واتْركوا مَن لا حاجة له عندكم، رُفعَت الأقوال إلى أمير المؤمنين فلم يجد فيها شيئًا أو خروجًا عن السنة والجماعة.
أيها الأخوة, غير أن ذلك لم يطفئ نار الشر, وكثر القيل والقال حول عامر, وكادت تكون فتنة بين أنصار الرجل وخصومه, فأمر عثمان رضي الله عنه بتسييره إلى بلاد الشام, واتخاذها دار إقامة له, وأوصى واليه على الشام معاوية بن أبي سفيان أن يحسن استقباله, وأن يرعى حرمته.