فهرس الكتاب
قال له: لقد أدركْت قومًا نحن في جَنبِهم لُصوص )) يريد الصحابة رضوان الله عليهم، امرأة رأَتْ أباها مقتولا في أحد، وبعد قليل رأتْ أخاها مقتولا، ثم رأت زوجها مقتولا، ثم ابنها , وتقول: ما فعلَ رسول الله؟ إلى أن بحثتْ عنه، واطْمأنَّت على سلامته، فقالت: يا رسول! كلّ مصيبة بعدك جلَل, نحن في هذا الزمان لا يوجد عندنا نساء بهذا المستوى، فإذا كان هناك ثلاثة جرْحى، وثلاثة آخرون على وشَكِ الموت، والجريح يتمنَّى قطْرة ماء بِمِليون ليرة، هذا الجريح يطلب الماء، فيأتي الساقي ليَسْقيَهُ، فيكون أخوه الذي إلى جنبه يئنّ، فقال: أعْطِ أخي, فلمَّا قُدِّم الماء لأخيه، فقال الثاني: أعطِ الماء لأخي، فلما ذهب ليُعطِيَه وجده فارق الحياة، وذهب إلى الثاني فوجدهُ فارق الحياة، وكذا الثالث, هل عندنا مثل هذا النوع؟ نحن بالحج في المطار مائتا مقعد لمائتي راكب، لو تقف بعد مائتي متر، ويدخل كلّهم الطائرة لوجدت مكانك، لكنَّك تجدهم يتقاتلون من أجل الأمكنة، شيء عجيب! هناك فرق نوعي.
أنا مرَّةً في الحجَّة الثانيَة التي أكرمني الله بها, بقيتُ بِمَكَّة عشرة أيام بعد انتهاء الحجّ، وآخر يوم تمنَّيْت أن أُقبِّل الحجر الأسود، وجئتُ في وقت لا تحتمل فيه الحرارة، فقد بلغتْ ستًّا وخمسين درجة, ومعي مظلّة، ووجدْتُ خمسين شخْصًا يزمعون تقبيل الحجر، واللهِ لو وقفوا بانتظام لقبَّلوه جميعًا في عَشْر دقائق، رأيتُ الضَّرب والشدّ والدَّفْع، هؤلاء المسلمون الذين سيفْتحون العالم, أين النظام؟ أمَا قال له: أدْركتُ قومًا نحن بِجَنبهم لُصوص, فانظرْ إلى تدافع الناس على المركبة، وهم حجاج، وطائرة، ولكلٍّ مكانه، لكنْ لا بدّ أن نتدافع، ونشاتم ويشدّ بعضنا ثياب بعض, لشيءٍ لا قيمة له إطلاقًا.