فهرس الكتاب
* إليكم هذه العبرة من قول الربيع لابنه:
قال: (( وإذْ نحن كذلك, دخل علينا ابن الشيخ فحَيَّانا, وقال: يا أبتِ, إنَّ أمِّي قد صنَعَت لك خبيصًا وجوَّدَتهُ، -نوعٌ من الحلْوَة- وإنَّه ليَجْبر قلبها أن تأكل منه، فهل آتيك به؟ فقال: هاتِهِ، فلمَّا خرج لِيُحضرهُ, طرق سائلٌ, فقال: أدْخلوه، ولمَّا صار بِصَحن الدار: نظرتُ إليه، فإذا هو رجل كهْلٌ, مُمَزَّق الثِّياب، قد سال لُعابهُ على ذقنه، وبدا من ملامح وجهه أنَّه معتوه، فما كِدْتُ أرفعُ بصري عنه, حتى أقبل ابن الشيخ, ومعه الخبيص، فأشار إليه أبوه أن ضَعها بين يدي السائل، فوضَعَه بين يديه، فأقبل عليها الرجل، وجعل يلتهم ما فيها الْتِهامًا، ولعابهُ يسيل فوقها، فما زال يأكل حتى أتى على ما في الصَّحفة كلّها، فقال له ابنه: رحمك الله يا أبي، لقد تكلَّفَت أُمِّي، وصنعت لك هذا الخبيص، فأطْعمْتَهُ هذا الرجل الذي لا يدري ما أكل، اسمعوا الجواب.
قال له: يا بنيّ، إذا كان هو لا يدري ما أكل, فإنّ الله يدري ماذا أكل؟ -وهذه ذكَّرتني بِرَسول جاء من معركة نهاوند إلى سيّدنا عمر، قال له: حدّثني عما جرى في هذه المعركة، فقال: فلان قُتِل، وفلان قتل، قال له: تابع, فقال: هناك أناسٌ لا تعرفهم بأسمائهم، بل تعرفهم بوُجوههم؟ فبكى عمر، وقال: ما ضرَّهم إذْ أنّي لا أعرفهم إذا كان الله يعرفهم.