* إليكم هاتان القصتان اللتان يرويهما من صاحب الربيع:
قال أحدهم: (( بتُّ عند الربيع ليلةً، فلمَّا أيْقن أنِّي دخلتُ في النوم, قام يُصلِّي, فقرأ قوله تعالى:
{أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ}
[سورة الجاثية الآية: 21]
فمكثَ ليلته يُصلِّي بها، يبدؤها ويعيدها، حتى طلع عليه الفجر، وعَيناه تسُحَّان بالدُّموع سحًّا )) وقال بعض أصحابه: (( خرجنا يومًا لصُحبة عبد الله بن مسعود، ومعنا الربيعُ بن خثيم، فلمَّا صرنا على شاطئ الفرات, مررْنا بأتون كبير قد صُعِّرَت نارهُ، فتطايَر شررها، وتصاعدَت ألسنةُ لهيبها، وسُمِعَ زفيرها، وقد ألقي في الأتون الحجارة, لتَحْترِق حتى تصبحَ كلْسا، فلمَّا رأى الربيعُ النارَ, توقَّف في مكانه, وعَرتْهُ رِعدةٌ شديدةٌ، وتلا قوله تعالى:
{إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا * وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا}
[سورة الفرقان الآية: 12 - 13]
ثمّ سقط مغشِيًّا عليه، فربطْنا معه حتى أفاق من خشْيتِهِ، ومِلْنَا به إلى بيته )) .
الشيء الذي لفتُ النظر في حياة الربيع؛ أنَّه يذكر الموت كلّ يوم اسْتعدادًا له، والمؤمن العاقل لا تغيب عنه هذه الساعة التي لا بدَّ منها، وكان عليه الصلاة والسلام إذا استيقظ كلّ يوم, يقول: (( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي فِي جَسَدِي, وَرَدَّ عَلَيَّ رُوحِي, وَأَذِنَ لِي بِذِكْرِهِ ) ).
فلمَّا احْتضرَ جعَلَت ابنتهُ تبكي، فقال لها: (( ما يُبْكيكِ يا بنيّتي, وقد أقبلَ على أبيكِ الخيرُ؟ ثمَّ أسْلم روحهُ إلى بارئها ) ).