فهرس الكتاب
وفي ذات ليلة، أوى إياسٌ إلى فراشه، وقال لأهله: (( أتدرون أيَّةُ ليلة هذه؟ قالوا: كلا، قال: في هذه الليلة استكمل أبي عمرَه، -كلُّ واحد منا له عمر محدود، الله أعلم به، فقد كنا من حوالي شهر في دعوة خارج دمشق، والداعي بيته صغير لا يتَّسع للضيوف، له زميل عنده مزرعة جميلة، أخذنا إلى هذه المزرعة، هذا كان موظَّفا كبيرا في الزراعة، استقال وأخذ هذه المزرعة، وأنشأ فيها جنات معروشات، ودواجن، شيء جميل، واللهِ كأنه الآن أمامي، يتمتَّع بصحة، وهنا الهواء نقيٌّ، وأنا أعمل رياضة كل يوم، وهنا صفاء، وراحة نفسية، شعرنا أننا نعيش في جنة، وهو غير متقدِّم في السن، الأمس بلغني أنه قد مات، هذه الدنيا، يبني الإنسانُ دنياه لبِنةً لبنةً، أخذ بيتا صغيرا فكبَّره، وزيَّنه، وأفرشه، واشترى بيتا لابنه، واشترى محلا، وتمكَّن أن يأخذ بيتا في المصيف، اشترى سيارة، وهو يبني يأتيه ملَكُ الموت، لقد ترَك كلَّ شيء وراءه في الدنيا، والمغادرة صعبة، هذه الساعة واللهِ الذي لا إله إلا هو, ما رأيتُ إنسانا عاقلا إلا جعل هذه الساعة نصبَ عينيه، قال تعالى:
{فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}
[سورة الحجر الآية: 92 - 93]
القرش الواحد نُحاَسب عليه، اسمع الآية الكريمة، قال تعالى:
{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ}
[سورة الزلزلة الآية: 7]
كنَّسْ الغرفة في الشتاء، والشمس داخلة إليها، تجد زغبات عالقة في الهواء، هذه هي الذرة، لشدَّة انعدام وزنها، وهي لا وزن لها، فتعلق في الهواء، قال تعالى:
{وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}
[سورة الزلزلة الآية: 8]